"خلص يا ماما تْعبِتْ.. كرمال الله مابقى بدّي إتسوّل ولا إتوسّل !".. ترجو صاحبة الثغر الصغير أمّها لتسمح لها بأخذ قسطٍ من الراحة. تجلِس على حافة الرصيف، تُغطّي عينيها العسليّتين بكفّيها السمراوين وتسرح في عالمها "المُغتصَب".. عالم الطفولة !.
تمرّ في ذاكرة طفلة التسع سنوات وهي مُغمضة عينها البائستين، صورٌ لم تألفْها منذ سنوات، ألعابٌ إشتاقت إليها طفولتها البريئة فيما يتلذّذ بها معظم بنات جيلها. تتمنى لعب الغمّيضة في أحد أحياء حلب. تتلهّف لإطعام لعبتها الصغيرة ، لتطلب من جدّتها حياكة فستان زهريّ تلبسها إيّإه. تحلم بإسفنجة طريّة كعودها وبرائحة غير روائح "كربون" السيّارات. تتوق لمتابعة مسلسل تلفزيونيّ قبل أن يغلبها النعاس من شدّة التعب والتنقّل بين "خطر السيّارات" على الأوتوسترادات.
حال تلك اليافعة كحال باقي رفاقها المتسوّلين أو الباعة المتجوّلين. "الأجندة " يُحضّرها الوالد منذ الصباح الباكر، فيوزّع المهام على أولاده من الجنسين، فيما يولي "إدارة أعمالهم" على الطرقات للزوجة "الصالحة" المُجبرة على العودة بفلذات كبدها في المساء مع "غلّة حرزانة" تحت طائلة المسؤولية!. ينطلق هؤلاء الصغار إلى العمل بشجاعة أو بخجل لا فرق، المهم أن يتوسّلوا سائقي السيّارات للعطف عليهم ومنحهم قروشاً، فيما تبقى الأمّ في أغلب الأحيان على زاوية الطريق تُراقب عن كثب "جدارة أبنائها" ومتابعة المهمّة بنجاح.
"بس 500 يا خالة، يخليلك هالعيون الحلوين، كرمال الله"، يقولها ابن السبع سنوات وهو يقرع زجاج سيارتي "مُعتمراً قبّعة صوفيّة، فيما أصوات "طقطقة أسنانه" تُسمع بوضوح من شدّة البرد. أفتح الزجاج وأسأله عن إسمه، يعبس في وجههي ويدير ظهره فوراً متوجّهاً إلى السيارة التي تركن خلفي، وكأنّه لم يسمع سؤالي ولم يعد يهتم لمالي (أخاله يقول بعوّضني الله). وفيما أنا أسترق النظر إلى "الشاب الصغير" من المرآة الجانبيّة، علت أبواق السيّارات في محلة بشارة الخوري تُنذرني بضرورة السير إلى الأمام، قبل أن يتبدّل لون الإشارة من الأخضر إلى الأحمر.
وعلى إشارة الأونيسكو، المشهد نفسه يتكرّر، طفلٌ يجرّ كيساً يفوقه طولاً بداخله محارم ورقيّة بيضاء. في المقلب الآخر طفلة بمثل عمره تبيع العلكة، فيما تتسوّل شقيقتها الصغرى بكلمات حفظتها عن ظهر قلب، وسط تململ السائقين من كثرتهم.
ربّما لا يدرك "أطفال التسوّل" خطورة وجودهم على الطرقات الرئيسية، وبالطبع لم يقصّ عليهم ولي أمرهم حكاية "بائع المحارم" الذي صدمته سيّارة بالأمس في منطقة المدينة الرياضيّة ولا حكايات عشرات المتسوّلين الذين يقضون صدماً في الشوارع العامّة.. تلك الأمور قد لا تكون مهمّة بنظره، الأهمّ أن "يُنتِج" أبناؤه كل ما يُرضيه فيُحقّقوا له الإكتفاء الماديّ حتّى على حساب سعادتهم.. وليس همّاً إن ظلّت حياتهم على مدار اليوم "على كفّ عفريت" !.