أكد رئيس كتلة «المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة، أن «حماية بلدنا في وجه الأعاصير الاقليمية والدولية وتداعياتها المحلية، وخصوصاً في هذه المرحلة الصعبة والجديدة، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر العودة إلى التمسك بالثوابت الأساسية ومن أبرزها: التمسك بصيغة العيش المشترك الإسلامي- المسيحي والإسلامي- الإسلامي، والتمسك بمبادئ الحرية والاستقلال والعدالة والدفاع عن السيادة الكاملة وغير المنقوصة للدولة اللبنانية على كامل أرضها وعلى جميع مؤسساتها، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية كافة وخصوصاً القرارات الداعمة لاستقلال لبنان وسيادته، ولا سيما القرار 1701». وشدد على «احترام الدستور قولاً وعملاً وبكل مندرجاته، وإعادة الاعتبار للدولة ولدورها ولسلطتها العادلة وهيبتها غير المنقوصة ورفع الوصايات عنها والتصدي لمن يعمل على استتباعها هي وأجهزتها وإداراتها ومرافقها لصالح الأحزاب والميليشيات».
وقال السنيورة خلال حفل دعا اليه عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» النائب السابق مصطفى علوش لتكريم النائب الراحل بدر ونوس في مطعم «دار القمر» في طرابلس أمس: «أحمل إليكم تحيات دولة الرئيس سعد الحريري وتقديره لفقيدنا الكبير، الذي كان صاحب صفات مميزة ليس من السهل التعويض عنها، ولا التشبه بها، وأولها أنه كان إنساناً لطيفاً، وديعاً، متزناً، مستقيماً، رصيناً ومواظباً. وكان كذلك حريصاً على احترام آداب مهنته كمحام، كما واحترام التزاماته السياسية ومواقفه المبدئية وتعهداته. كما كان يتمتع بالروح المرحة المحبة للناس، وفي الوقت نفسه كان صلباً، ثابتاً في مسيرته السياسية لا يتراجع بسهولة أو يقبل المساومة».
أضاف: «لقد كان بدر ونوس في التزامه السياسي والنيابي مثالاً في العمل والمواظبة والإخلاص. وكان من أوائل من ناصروا ثورة الارز منذ بداية تكونها وانطلاقتها. وعندما انتخب عن مدينة طرابلس في العام 2005 استمر ثابتاً في التزامه بتيار المستقبل. وصار بسبب ذلك عرضة للعزل والتهديد من بعض من كانوا في محيطه المباشر، وبشكل أشد من المنظومة التي حرضت وأدارت الإرهاب في طرابلس، وكذلك شاركت في جزء من عملياته في أكثر من منطقة في لبنان على مدى سنوات. لقد تعرض بدر ونوس لكثير من التهديدات والضغوط لحمله على تغيير موقفه السياسي، لكنه لم يتراجع. ولقد تجاوز كل الإغراءات التي قدمت له لينقلب على رفاقه في تيار المستقبل وعلى ثورة الأرز، وفيما سقط البعض على الطريق، ازدادت صلابته وقوة موقفه. وعندما باءت كل المحاولات بالفشل، بدأت حملة التهديد بالقتل، واعتدي على أملاك عائلته في أماكن عدة، واضطر لمغادرة لبنان عدة مرات في فترة التهديدات والملاحقات والخطر الداهم من حوله ومن حول زملائه، لكنه رفض الخضوع او التراجع. لقد آمن بالدولة اللبنانية وبسيادتها غير المنقوصة على أرضها ومؤسساتها، وآمن بالعيش المشترك والواحد، بين اللبنانيين وبوحدة مدينة طرابلس وبالدفاع عن حقوق المواطنين من خلال عمله البرلماني. صحيح أن بدر ونوس لم يعرف بإثارة الضوضاء والضجيج من حوله، ولم يسع كثيراً وراء الظهور الإعلامي، لكن زملاءه في مجلس النواب وفي اللجان النيابية يعرفون دقة مواظبته ومتابعته ومثابرته على المشاركة في أنشطة اللجان النيابية التي كان عضواً فيها بحيث كان مقرراً للجنة الأشغال النيابية».
ورأى «أننا نمر بمرحلة جديدة حساسة، دقيقة وخطرة أيضاً، أكان ذلك على مستوى لبنان أو مستوى منطقتنا العربية المحيطة بنا، أم على المستوى العالمي الزاخر بالمتغيرات والتحولات والتحديات، الناتج في بعض منها عن تنامي الدعوات الشعبوية والنزعات الشوفينية المتطرفة وإعلان العداء للآخر المختلف في عدد من الدول حول العالم. فلبنان الذي تقاعس ولا يزال عن التزام مؤشرات بوصلة مصلحته بكونه لم يسارع وبإرادة حاسمة إلى القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والادارية والاجتماعية الضرورية لتحقيق النهوض والتلاؤم والاستقرار وذلك في أكثر من مناسبة بالرغم من أن ذلك كان متاحاً وممكناً، ما زال حتى الآن عالقاً في خضم التجاذبات المتعلقة بالقانون الذي يفترض أن تجري الانتخابات المقبلة على أساسه، والأمر إلى الآن غير واضح حول ما يمكن أن تستقر عليه الأمور، وما سوف تسفر عنه النقاشات الجارية حالياً بين الكتل النيابية».
وأشار الى أن «تيار المستقبل كان واضحاً وصريحاً وملتزماً بأهمية العودة إلى اتفاق الطائف والالتزام بتطبيق الدستور كاملاً وبكل مندرجاته. فالدستور اللبناني وبنظرنا رسم خارطة الطريق بوضوح وصراحة بشأن كيفية التحول نحو تعزيز الممارسة الديموقراطية في لبنان وفي كيفية التقدم نحو التحول التدريجي إلى الدولة المدنية وذلك التزاماً بنص المادة 22 من الدستور التي تكفل احترام حقوق الفرد وكذلك حقوق الجماعات. إلا أن تيار المستقبل، وبالرغم من ذلك، وتأكيداً على رغبته في الخروج من المأزق الحالي عبّر أيضاً عن تجاوبه وتفهمه لإيجاد الحلول المؤقتة على ذلك المسار الديموقراطي من خلال النظام الانتخابي المختلط الذي التزم به وما يزال، وما وقع عليه مع اللقاء الديموقراطي والقوات اللبنانية وشاركهم في تأييده عدد من النواب المسيحيين المستقلين».
ولفت الى أن «لبنان ما زال يعاني من المشكلات التي تراكمت وتكاثرت عليه وعلى المواطنين على مدى اثني عشر عاماً والتي مازالت تتقاذفنا هنا وهناك ومن ذلك ما يتعلق بالوضعين الاقتصادي والمالي»، معتبراً أنه «أصبح لزاماً على لبنان العودة إلى الانتظام المالي في إعداد وإقرار الموازنات العامة السنوية وذلك من أجل تعزيز الانضباط المالي وضبط الهدر في المالية العامة والتأكيد على النمو وعلى الاستقرار النقدي. وهذا ما يوجب علينا، أن نعود إلى سلوك والتزام الطريق المؤدي إلى اعتماد نهج الإصلاح الحقيقي الذي يمكن أن يقود البلاد إلى التلاؤم مع المتغيرات والتحولات الى ما فيه حماية لبنان من الصدمات السياسية والاقتصادية والأمنية المتكاثرة علينا ومن حولنا لما فيه خير البلاد والمواطنين الآن وفي المستقبل».
وأوضح أن «تجارب الأيام أثبتت أن الإصلاح، والاصلاح وحده، هو الطريق الذي يوصلنا إلى النهوض الوطني والاقتصادي والاجتماعي، وذلك يقتضي منا البدء باحترام الدستور قولاً وعملاً وبكل مندرجاته، كما وإعادة الاعتبار للدولة ولدورها ولسلطتها العادلة وهيبتها غير المنقوصة ورفع الوصايات عنها والتصدي لمن يعمل على استتباعها هي وأجهزتها وإداراتها ومرافقها لصالح الأحزاب والميليشيات، كما العمل على استعادة النمو الاقتصادي بالمعدلات اللازمة وبالتنمية المناطقية بما يسهم في التصدي لمشكلات الفقر والضيق واليأس الذي تعاني منه مناطق واسعة من لبنان والكثرة من الشباب الباحث عن مستقبله»، مشيراً الى أن «ذلك يفترض عملاً جدياً ومثابراً من أجل الإزالة التدريجية لجميع المعوقات السياسية والادارية، وكذلك العودة الى اعتماد معايير الكفاءة والجدارة والإنتاجية والإنجاز والاستحقاق، والعمل فعلاً على ترشيق الدولة وزيادة الإنتاجية وتطبيق قواعد المساءلة والمحاسبة المؤسساتية على قواعد المحاسبة على الاداء والنتائج المحققة ومكافحة الهدر والفساد بعيداً من الأساليب الفضائحية التي درجنا عليها والتي لا تنتج شيئاً على الصعيد العملي يعود بالخير للصالح العام أو للوصول إلى الإدارة الرشيدة».
وقال: «ان حماية بلدنا في وجه الأعاصير الاقليمية والدولية وتداعياتها المحلية، وعلى الأخص في هذه المرحلة الصعبة والجديدة، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر العودة إلى التمسك بالثوابت الأساسية والعمل بمقتضياتها وهي التي كان يتمسك بها بدر ونوس وتمسك بها قبله الشهيد رفيق الحريري ويحرص تيار المستقبل على الالتزام بها. ومن أبرز هذه الثوابت: أولاً: التمسك بصيغة العيش المشترك الإسلامي- المسيحي والإسلامي- الإسلامي، وهي الصيغة التي قام عليها لبنان منذ فجر الاستقلال وكانت الأساس في قيامه وثباته وتميزه والتي كرسها اتفاق الطائف. ثانياً: التمسك بمبادئ الحرية والاستقلال والعدالة والدفاع عن السيادة الكاملة وغير المنقوصة للدولة اللبنانية على كامل أرضها وعلى جميع مؤسساتها. وهذا يقتضي دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية الحامية حصراً للوطن والمواطنين ولمصالحهم العليا. ثالثاً: التمسك بقرارات الشرعية الدولية كافة وعلى وجه الخصوص القرارات الداعمة لاستقلال لبنان وسيادته، وأبرزها الالتزام بالقرار 1701 وجميع القرارات الدولية الأخرى التي استند إليها وما تلاها بما خص لبنان، وهي التي تحفظ أمنه وسيادته. فالقرار 1701 هدف إلى حماية لبنان وأمّن له الاستقرار في الجنوب وعلى امتداد سواحله في البحر. وهو القرار الذي أجمع عليه جميع اللبنانيين من دون استثناء، ويفترض أن تعمم مفاعيله على الحدود اللبنانية كافة في الشمال وفي الشرق دعماً للجيش والقوى الأمنية الشرعية اللبنانية الوحيدة المولجة حصرياً بمهام حماية لبنان وأرضه وشعبه، فلا شرعية لأي سلاح آخر في لبنان إلا الشرعية الحصرية لسلاح الدولة اللبنانية».
ونبّه على أن «أي موقف يفهم منه التملص من هذا القرار يؤدي عملياً إلى النكول بالتزامات لبنان الدولية مع ما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على أكثر من صعيد سياسي وأمني واقتصادي ومعيشي»، مشدداً على «التمسك بالقرار الدولي رقم 1757 الذي نص على إنشاء المحكمة الدولية من أجل لبنان وذلك حتى إصدار الأحكام النهائية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الأبرار، وذلك حماية للحريات وانتصاراً للعدالة في لبنان وحتى لا يبقى المجرمون الإرهابيون بمنأى عن محاسبة القانون».
ورأى أن «الكثير من الدول العربية في هذه المرحلة قد باتت مهددة بكياناتها وأنظمتها واستقرارها بل حتى بنسيجها الوطني ايضاً. وهذا يحتم على الأمة الصمود والعودة إلى التمسك بالأساسيات التي تمكنها من تصويب بوصلتها وبالتالي من العودة إلى تحريك محركات استعادة النهوض العربي. ذلك بما يمكن جميع الدول العربية من التعامل والنجاح في مواجهة التحديات الكبرى التي تجتاح بلداننا العربية»، لافتاً الى «أننا أصبحنا اليوم في حال مأسوية بحيث تحولت القضايا العربية المشتركة إلى قضايا عربية متصارعة وحروب أهلية عربية، بحيث يقتل ويشرد العربي أخاه العربي منصاعاً بذلك إلى من يفسد عقول العرب ليصور لهم أن عدوهم هو أخوهم العربي، وذلك لحرف انتباههم وجهدهم عن عدوهم الحقيقي الذي هو إسرائيل والتدخلات الإقليمية والدولية وقوى الاستبداد والتخلف والتواكل والتعصب والتطرف والداعية إلى الإحجام عن سلوك طرق الإصلاح الصحيح على شتى مساراته الوطنية والسياسية والحضارية والدينية. إن التحديات الجسام التي ينبغي لنا مواجهتها تتطلب منا تصويب بوصلتنا نحو الوجهة الصحيحة».
وختم السنيورة: «بمناسبة تكريم فقيدنا العزيز بدر ونوس نستذكر الثوابت المحلية والعربية من أجل أن نعيدها الى الواجهة ونشدد عليها لكيلا تضيع البوصلة ويستمر عندها الضياع والتفريط بالحقوق وبالمستقبل. رحم الله بدر ونوس رجلاً طيباً وقوراً ورصيناً، ومواطناً صالحاً، ووطنياً بارزاً. والعزاء لرفاقه ولعائلته الكريمة ومدينته الأصيلة طرابلس»، حسب ما جاء في صحيفة "المستقبل".