بهدوء، وبعيداً من أيّ نيّة في التصويب على شخص الإعلامي جو معلوف أو على برنامجه "هوا الحرية" الذي يتناول في الحلقة الواحدة مجموعة من القضايا، منها ما يكون للحرية "اوكسيجيناً" ومنها ما تكون معالجتها "سارينّيا" ( غاز السارين السام)، نحاول في هذه الأسطر القليلة "تشريح" فقرة "زير النساء" التي عُرضت الاثنين، والتي أثارت جدلاً واسعاً وقسمت الرأي العام بين مؤيد ومعارض، مدافع ومناهض.
أولاً: في تناول القضية
ننطلق من بديهيات المهنة وأصولها وقواعدها و"أخلاقياتها" في محاولة للإجابة عن سؤال موضع نقاش كبير:"هل كان من الصوابية أن يتناول جو معلوف (أو غيره من العاملين في مختلف الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة والالكترونية) هذه القضية - الفضيحة أم لا؟"
إشكالية يُقابلها طبعاً أكثر من موقف ووجهة نظر. في الغرب، تعجّ الصحف والشاشات بأخبار عن قضايا مماثلة كونها تحوي أفعالاً جرمية (اغتصاب، تشهير، ابتزاز، احتيال..)، غير انها عادة ما تكون من الطابع الخبري، أي نقل المعلومة. وفيما لو تحوّلت هذه الحوادث قضايا عامة (تهزّ المجتمع أو تعنيه بشكل أو بآخر)، فإنها تُعالج من زواياها التي تهمّ الرأي العام وتعنيه.
زير النساء؟!
ماذا عن قضية "زير النساء في زحلة"؟
في المبدأ، هي قضية تعني المعنيين بها حصراً، والقضاء (مع التشديد على أنه تمّ اللجوء الى القضاء). هل إن تداول الفيديوهات التي سرّبها "زير النساء" بين أيدي المواطنين يجعل منها قضية رأي عام كما حاول أن يقول الإعلامي جو معلوف؟! ليس من السهل طبعاً إعطاء إجابة حاسمة عن هذا السؤال، إذ أنها من جهة انتشرت بين الناس وباتت تعنيهم بشكل أو بآخر، ومن جهة أخرى لا يمكن التسليم بأن كلّ ما يتمّ تداوله عبر التطبيقات الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي هو حكماً صار قضية عامّة! لعلّ ما يعني المواطنين في مكان هو، هو الجرم الحاصل بفعل نشر الصور والفيديو وما يرافقه من ابتزاز وقدح وذم وتشهير....لكنه في النهاية موضوع يُعنى به القضاء وحده!
لقد حاول الإعلامي معلوف تبرير الأسباب التي دفعته إلى تناول القضية. فمرة عزاها إلى انتشارها ومعرفتها من قبل المواطنين، ومرة لفت الى ان المتهم قصده لتوضيح الحقيقة ودحض التهم الموّجهة إليه من قبل الطرف المدعي (خطف، حجز حرية، اغتصاب...)
في النقطة الأولى، لا يبدو التبرير مُقنعاً بدليل ما قاله معلوف بنفسه حينما طلب من ضيفه عدم ذكر الأسماء (اسم زوج السيدة واسمها) التي بات يعرفها من وصلت إليه التسريبات، " لأنو مش كل الناس عارفة ومش كل الناس عندها سوشيل ميديا ومش كل الناس بتابع". لماذا اذاً إثارة القضية – الفضيحة من أصلها طالما أن "مش كل الناس عارفة"؟ هل للبحث عن حقيقة أو إفادة؟! (تجدر الإشارة الى أن القضية وان مسّت بأهالي مدينة ما، فإنهم ما كانوا يحبذون تناولها على الصعيد الإعلامي، وهذا ما اتضح من خلال اتصال قامت به الفنانة نجوى كرم معبرة عن أسفها وحزنها وحسرتها).
أما في ما خصّ السبب الثاني (أي بناء على طلب المتهم)، فلا يبدو بدوره مُقنعاً ومقبولاً، أولاً لأن الأخير هارب من وجه العدالة واذا كان يريد توضيح حقائق أو الدفاع عن نفسه فعليه اللجوء إلى القضاء لا الإعلام (وهذا الأمر بات للأسف عادياً في لبنان اذ يحتمي بعض الإعلاميين بالخصائص التي تلحظها مهنة الصحافة والحماية المعطاة لهم فيقومون بمقابلة مطلوبين للقضاء نذكر منهم فضل شاكر، نوح زعيتر..)، وثانياً لغياب الطرف الثاني لأسباب متعددة، أبسطها انها قضية تعالج في المحاكم لا على المنابر الإعلاميّة. جديرٌ بالذكر ان مقدم البرامج حاول مواجهة "ضيفه" بما استقاه "من أجواء" الطرف الآخر (العشيقة وزوجها والمحامي) تالياً عليه الوقائع الداحضة روايته، لكن العملية ظلّت غير متكافئة وتصبّ في مصلحة طرف على آخر، شئنا ذلك أم أبينا!
البداية الكارثية
ثانياً: في معالجة الموضوع
كارثيةٌ هي البداية. بورنو على الهواء، يا للإعلام! إعادة نشر التسريبات، أي مقاطع الفيديو التي تحوي مشاهد إباحية وتوّثق العلاقة بين "العاشقين" لم تمرّ طبعاً عن غير قصد، لكنها بالتأكيد أهانت المشاهد وأفراد العائلات المعنية، ولو حملت تمويهاً وإخفاء. هذا من الناحية الأخلاقية، أما من الناحية القانونية فهي تعدّ مشاركة في الجرم (تماماً مثلما يعاقب من يعيد نشر مواقف فيها قدح وذمّ)!
تتابع الفقرة مع هواء مفتوح للمتهم، وبثّ تسجيلات صوتيّة كدلالة على براءة الأخير. يقرّ مقدّم البرنامج بأنه ما كان أبداً أمام قضية مثل هذه التي يطرحها، وبملء إرادته! "شخص بكل برودة أعصاب عم يحكي هيك"، يتعجب. طبعاً، فالفرصة سانحة وعلى طبق من فضة. ماذا بعد؟! ما النتيجة؟! ما الخلاصة؟
في الاستنتاج، أوصل جو معلوف الشخص الذي سرّب الصور والفيديوهات عن سابق تصوّر وتصميم إلى مبتغاه مرّة جديدة. الرجل أراد التشهير بعشيقته وعائلتها فأفرج عما بحوزته على قدر ما يستطيع (واتساب ووسائل تواصل)، وها قد أتيحت له فرصة أخرى لتوسيع "بيكار" انتقامه على نطاق أوسع! أكثر من ذلك، فقد استطاع الرجل استمالة عدد من المتابعين وكسب تعاطفهم، بل ربما نال منهم صكّ براءة "لأنو هي يلي تحركشت في بالأول". هذا هو تحديداً دافعه وأهدافه، وإلا ما كان قبل الظهور في البرنامج الذي يُبثّ مباشرة، وهو على يقين تام بأن المطاف سينتهي به في قبضة القوى الأمنية (إلا اذا كان فعلاً محمياً من قبل جهات نافذة)، مفترضين انه تابع في السابق حالات توقيف هاربين من العدالة على بعد أمتار من أدما!
المجتمع الذكوري
ماذا بعد؟!
تعززت الذكورية السائدة في المجتمع مع ترداد المتهم "انا رجل، انا شبّ، هي يلي ببزقو عليها"، وهذا سلوك خطير في المجتمع اللبناني، أدّى ولا يزال إلى جرائم عنف وقتل واغتصاب! ليس هذا الكلام دفاعاً عن "العشيقة" التي ارتكبت فعل الزنى، تماماً مثل عشيقها، ولا هو تشجيع على القيام بذلك، بل هو محاولة لسبر تداعيات هذا "المنطق" المجتمعي وما يرافقه من تبجيل "لقدرة" و"أحقية" الذكور في إقامة علاقات جنسية متعددة مع "ارقام" لا نساء!
ماذا أيضاً؟
شوّه الرجل صورة الزواج المدني مع قوله "لأنن متزوجين مدني"، وكأن هذا النوع من الارتباط يُسهل الخيانة والسلوكيات النافرة!
كلّ هذا حصل ومرّ بسلاسة في فقرة بدا فيها مقدمها هادئاً، هدوء ضيفه "المتهم". محاججة ضعيفة (علماً ان محاورة الرجل وبهذه الطريقة هي أصلاً غير موّفقة) وضعفٌ في التقاط التناقضات وفي "زرك" زير النساء. يدعي الأخير على سبيل المثال أنّ الطبيب الشهير (زوج السيدة) كان يدفعها إلى الرجال، ما يعني منطقياً مرورها بحال نفسية صعبة وربما بتوق الى حضن آمن وحبّ. فلم استغلّ ضعفها هذا؟! وألا يعدّ الأمر بمثابة اغتصاب نفسي مموّه؟! لم لم تطرح هذه الأسئلة على شخص راح يتباهى بأفعاله ويصوّر نفسه ضحية؟!
في المحصلة، لربما كان من الأفضل تناول هذه القضية من جوانب أخرى مرتبطة بها بشكل مباشر وغير مباشر، مثل فتح ملف الزنى من الناحية القانونية وتمييزه بين المرأة والرجل، أو تسليط الضوء على جرائم القدح والذمّ والابتزاز وكيفية مواجهتها أو ...
حتماً لم يكن جوزيف معلوف الملقب بالـ "بطّة" ليخرج من الاستوديو طاووساً، وبالتأكيد لكان المتابعون قد أنهوا سهرتهم بغثيان أخفّ وطأة، وبمعلومة جديدة أو إفادة!