نظم معهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين ببيروت، بالتعاون مع مؤسسة "فريدريش إيبرت"، ورشة عمل عن "حقوق الإنسان في لبنان بين الوزارة ووسيط الجمهورية والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان"، في بيت المحامي.
والقى وزير العدل سليم جريصاتي كلمة قال فيها: "على عتبات هذا الصرح العريق، تولد املنا، منه ننطلق، واليه نعود، هو نقابة المحامين أولى النقابات وأمها وثاني جناحي العدالة. واليوم، أعود لأقف بينكم وزيرا للعدل في عهد رئاسي واثق وواعد ومصمم على انهاض دولة القانون والمساءلة والمحاسبة وصون حقوق الانسان والحريات العامة والخاصة، فألف تحية لكم من سيد العهد الرئيس العماد ميشال عون على ما كلفني به عند علمه بمداخلتي صبيحة هذا اليوم".
وأضاف: "عودتنا نقابة المحامين أن يكون الدفاع عن الانسان وحقوقه وحرياته الاساسية محور اهتماماتها، إن لم نقل همها الوحيد والأوحد. إن تنظيم ورشة العمل اليوم في نقابة المحامين في بيروت، إنما أكبر دليل على أن النقاية هي صاحبة المبادرة في طرح الاشكاليات المتعلقة بحماية حقوق الانسان وتعزيزها في لبنان وضمان احترامها في كل المجالات والميادين".
وتابع: "أولى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هذا الشأن اهتماما خاصا، انعكس عند تشكيل الحكومة وتخصيص حقيبة وزارية لحقوق الإنسان وحقيبة وزارية لحقوق المرأة وحقيبة وزارية لشؤون النازحين ايضا. وتزامن انشاء هذه الوزارات الثلاث مع اقرار المجلس النيابي القانون رقم 62 المؤرخ في 27 -10-2016 والقاضي بإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الانسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، والتي تتولى من ضمن المهام المتعددة الموكلة اليها مهام حماية حقوق الانسان وتعزيزها، وفقا للمعايير الدستورية الدولية المعتمدة ورصد الانتهاكات وتلقي الشكاوى والعمل على تقديم الحلول لها".
وأردف: "وسبق للمجلس النيابي أن أصدر في 4-2-2005 القانون رقم 664 المنشىء لمؤسسة اخرى، ألا وهي مؤسسة وسيط الجمهورية، الذي يتولى تسهيل تعامل المواطنين مع الادارات والمؤسسات العامة والمساعدة على حل الخلافات الناشئة بمعرض هذا التعامل، ومن ضمنها الخلافات الناشئة عن تعدي السلطة العامة على حقوق الانسان وحرياته الاساسية. ولم تبصر مؤسسة وسيط الجمهورية النور حتى اليوم، إلا أن الحكومة بايعاز من رئيس الجمهورية سوف تقر المرسوم التطبيقي لهذا القانون، وتبادر الى التعيينات اللازمة للاستفادة من الوسيط وادارته واعوانه، ما من شأنه أن يضع حدا لتعسف السلطة العامة أو استعمال الرشوة التي اصبحت للاسف مرادفة للخدمة العامة. وعلاوة على ما تقدم، أوكلت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية مهام الدفاع عن المرأة وتعزيز حقوقها، توصلا للقضاء على كل أشكال التمييز ضدها. إن هذه المؤسسات المعنية كل واحدة منها ضمن الصلاحيات القانونية الممنوحة لها بحماية حقوق الانسان بصورة عامة، وحقوق المرأة بصورة خاصة، كما حقوق النازحين".
وقال: "هذا فضلا عن الدور الذي تلعبه وزارة العدل في حماية حقوق الانسان وتعزيزها في كل المجالات، بدءا من الاجراءات المتخذة لمناهضة التعذيب والوقاية منه، مرورا بالاجراءات المتخذة في مجال حماية حقوق المرأة والطفل والنازحين، تمهيدا للعودة الآمنة، وصولا إلى حماية الحريات الاساسية العامة والخاصة، ويمكن ايضا ان يكون لوزارة الشؤون الاجتماعية في ما يتعلق بحقوق الاشخاص الذين يعانون من مرض عقلي او جسدي مقعد دور مهم في تعزيز حقوق الانسان وحمايته".
وسأل: "هل أن توزع هذه الجهات هو دليل صحي يعكس واقعا لبنانيا حمائيا لحقوق الانسان؟ أم أن هذا التوزع من شأنه أن يؤدي إلى التضارب في الصلاحيات وتبعثرها، مما يؤثر سلبا على واقع حقوق الانسان وحريته؟ أمر بديهي نشير اليه، توضع المواثيق والدساتير والمعاهدات من اجل الحقوق العامة والخاصة، والقوانين تولد من رحم التجارب والمحن والحاجات والنزاعات. وعلى كل ذلك، يبنى شيء اسمه الاستقرار العام والدائم".
ورد جريصاتي على التساؤلات بأسئلة مقابلة حول "دور هذه المؤسسات وصلاحيات كل منها وتحديد أو رسم طبيعة العلاقة القائمة بينها: فهل هي علاقة تكاملية أم أنه من الممكن أن تكون علاقة نزاعية أو على الأقل تنافسية؟ وهل يقع على عاتق هذه المؤسسات انطلاقا من المسؤوليات الوطنية بموجب التنسيق والتعاون في ما بينها من أجل تأمين حماية أفضل لحقوق الانسان في لبنان وضمان أكبر لحرياته الأساسية؟".
وألقى نقيب المحامين انطونيو الهاشم كلمة شكر فيها لـ"اللجنة النيابية لحقوق الإنسان ومعهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين في بيروت، ومؤسسة فريدريش إيبرت، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، سعيها الدؤوب إلى التواصل والتنسيق مع الهيئات والمنظمات الحقوقية لإنجاح هذا المنتدى"، وقال: "لم تغب فكرة حماية حقوق الإنسان عن خاطر عظماء العالم. والصالح المشترك في مفهوم الفكر المعاصر يكمن في صيانة حقوق الشخص وواجباته، بحيث يتجلى دور الحكم في صيانة هذه الحقوق والتوفيق بين مقتضياتها وإطلاق حركتها بصورة يسهل على كلِّ مواطن القيام بواجبات،. فالعدالة إذا ما ألقيت جانبا، تصبح الدول منظمات إجرامية على نطاق واسع".
وأضاف: "انطلاقا من هذه الفكرة، أصبحت الكرامة الإنسانية قضية العصر، ولعل من أطرف ما ورد على هامش التحضير للاعلان العالمي لحقوق الإنسان، قول للمهاتما غاندي قبل وفاته، جاء فيه: علمتني أمي التي كانت متبصرة، رغم أميتها، أن الحقوق لا تستقيم ولا تدوم إذا لم يرافقها القيام بالواجبات. وهكذا، فإن حق الحياة نفسه لا يتوافر لنا، إلا إذا أدينا واجبنا كمواطنين في هذا الكون. وإذا انطلقنا من هذا المبدأ الأساسي، أصبح من السهل علينا تحديد واجبات الرجل والمرأة وإقامة العلاقة بين الحق والواجب المطابق له. وما عدا ذلك من حقوق فهي زائفة، ولا جدوى من النضال في سبيلها".
وتابع: "إن حقوق الإنسان هي في جوهر وجوده القومي، فلا الاستقلال الإقتصادي ولا القوة السياسية، بل الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية هي من مكن لبنان من الوجود والبقاء ككيان مستقل. ومن خلال حركات الدفاع عن حقوق الإنسان، نجد أن هذه الحقوق لم تعد من القضايا الخاضعة للنظام العادي في نطاق طرحها، بل أصبحت في يد أجهزة الدولة الساعية إلى حمايتها. ومما لا شك فيه أن أقصى ما يتمناه الإنسان ويسعى إليه، حرصا على حقوقه المقدسة، هو أن يرى قضاءه مستقلا وقويا، وبذا يكفل له هذه الحقوق من تجاوز بقية السلطات. فالقضاء هو الحصن الأخير لحرية الإنسان، وهو حامي الحقوق. وقد يصبح الظلم مأساة إنسانية عندما يجد المظلوم نفسه عاجزا عن رفع ظلامته، ليجد الرأي العام ملاذه الوحيد، يلجأ إليه شاكيا، إذ ربما يكون للأحكام المعنوية صدى يساعد على إصلاح الخطأ وإعادة الإعتبار. فلا مرور زمن على الظلم، والرأي العام هو الرقيب، هو المحامي، هو الحكم الأخير، وهو في الواقع حقيقة تغلب الحقيقة القضائية".
وأردف الهاشم: "إن كل حاكم أو مسؤول في الإدارة يجد منزلته في القمة إذا ما ترفع عن الأذى والحقد، يجدها بتمسكه بالعدل وبانطلاقه العفوي لرفع الظلم من أي جهة أتى، لأن الرجوع عن الخطأ فضيلة. كما أن إزالة خطأ الغير واجب على حد قول الفاروق، ثاني الخلفاء الراشدين، عمر بن الخطاب: أيما عامل لي ظلم أحدا فبلغني مظلمته ولم أغيرها، فأنا الذي ظلمته". وكي لا ندخل في صلب المواضيع المختارة، تلك المطروحة على بساط المناقشة، وهذا ما سنتركه للمنتدين أصحاب المعالي والسعادة في هذا المنتدى الجامع، حري بنا أن نأتي على بيان لتلك المواضيع التي لطالما نادينا بها في ما مضى، بدءا من وسيط الجمهورية إلى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، وصولا إلى استحداث وزارتين، سبقتنا في تكريسهما معظم الدول القريبة منها والبعيدة لعقود خلت، عنيت بهما وزارتي شؤون المرأة وحقوق الإنسان. وكنا نود اعتبار هاتين الوزارتين على خط مواز لبقية وزارات الدولة، لا بل من أهم الوزارات، آملين العمل على تفعيل دورهما".
وقال: "بعدما أصبحت أجهزة الإدارة بالغة التعقيد، بات المواطن اللبناني عاجزا عن حماية حقوقه، لا سيما عندما يشعر بأنه ضحية ظلم المعنيين في إدارات الدولة. ولذا، فقد تبين لكثير من الدول أنه بات من المحتم مساعدة المواطن الذي استنفذ كل السبل لنيل حقوقه. ومن هنا، تم إنشا وسيط الجمهورية في العديد من الدول، على غرار الوسيط السويدي (OMBUDSAMN) الذي أنشىء في عام 1809، مهمته مراقبة تأدية الإدارة لمهامها ومدى احترامها للقوانين والحريات وحقوق الإنسان الأساسية. كما يساهم في تحقيق التوازن في العلاقة بين الدولة والمواطن. وبتعبير أشمل، هو عبارة عن مؤسسة تعمل في خدمة الشعب، وهذه المؤسسة ضرورية على قدر ما لممارسة الديموقراطية من ضرورات، هي حامية الحريات. وثمة مؤسسات شبيهة بوسيط الجمهورية، منتشرة في كل بقاع العالم، وفاق عددها المئة. ففي اسبانيا مثلا يسمى حامي الشعب، وفي البرتغال مفوض العدل، وفي فرنسا وسيط الجمهورية، وفي الكيبيك حامي المواطن. هذا وتم إنشاء هيئة دولية تعمل على توحيد كل هذه المؤسسات وتوثيق التعاون البناء في ما بينها، مما يوجب ان يحظى لبنان فعليا بوسيطه الخاص الذي سيعمل جاهدا على تحسين وإرساء العلاقة الوثيقة بين المواطن والدولة. فالحاجة باتت ملحة، لا بل ان هذه الحاجة أمست مطلبا وطنيا وأساسيا لكل مواطن يشكو من عدم قدرته على إيصال صوته إلى السلطات المختصة".
أضاف: "إن الخطة الموضوعة للاصلاح الإداري، تلك التي سبق أن وضعتها وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، والتي نأمل في مشاركتنا للمنتديات اللاحقة ذات الصلة، طالبت بإنشاء وسيط الجمهورية المعزز لثقة المواطن بالدولة والإدارات. وهذا المشروع مستوحى في الأصل من الأنموذج الفرنسي الذي هو الأقرب إلى الجو السياسي في لبنان. كما أن هذه المؤسسة، وسيط الجمهورية، نجحت في معظم الدول، فوسيط الجمهورية هو شريك الدولة المعزز لمصداقيتها، وهو يبقى أولا وأخيرا الرمز الحضاري للدولة، لا بل هو وجه من أوجه دولة القانون، دولة الحق".
وختم: "سبق للمجلس النيابي الكريم أن أعلن مشروع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان. واحتاجت مناقشة بعض عناوين الإصلاحات إلى وقت طويل، وما زال بعضها موضع أخذ ورد، ومنها قانون الإنتخاب وإقرار الكوتا النسائية وغيرها. وبعد إقرار الهيئة العامة للمجلس مشروع الخطة هذا، يبقى التحدي الأكبر، ألا وهو التنفيذ. وتلت هذه الخطوة إقرار المجلس للقانون رقم 62 تاريخ 27/11/2016 القاضي بإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، إرتكازا على قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الداعي إلى إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان بهدف حماية معايير حقوق الإنسان وتعزيزها، مع الإشارة إلى أن نقابة المحامين معنية باقتراح تسمية عضو من ستة من ذوي الخبرة في القانون الجزائي أو قانون حقوق الإنسان أو القانون العام، إلى جانب عضو من ستة من ذوي الخبرة بالقانون الدولي الإنساني، تسميهم مناصفة نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس، آملين صدور المراسيم التطبيقية وتعيين أعضاء الهيئة إعمالا لبنود هذا القانون".