عشيّة يوم المرأة العالمي، جلست إمرأة في العقد الرابع من العمر، على زاوية المقعد الخشبيّ في الصفّ الأمامي في قاعة المحكمة العسكريّة، تنتظر دورها في المحاكمة. بعد ساعات من الإنتظار، سمعت "ميّادة" بإسمها يُناديه رئيس المحكمة. بخطىً متردّدة إقتربت "المتهمة" من قوس العدالة لتشعر بـ"هيبتها" للمرّة الأولى.
تُقلّب السيّدة المرتجفة محرمة مطويّة بيضاء بين كفيّها وهي تنتظر توجيه التهمة إليها: "محاولة تمويل تنظيم إرهابيّ (جبهة النصرة)". "تطقطق" أصابع يديها بين الفينة والأخرى وهي تستمع إلى ما يقرأه العميد حسين عبدالله من إفادتها الأوليّة.
لقد اعترفت "ميّادة.ع" بأنّها أوقفت في محلّة الحازمية، خلال توجّهها إلى منطقة عرسال لتسليم مبلغ من المال إلى إمرأة تجهلها، وبأنّ ابنها الذي يحاكم في الدعوى نفسها بالصورة الغيابية، ترك منزلها في العام 2012 والتحق بجبهة النصرة. ما إن إستعادت المستجوبة أقوالها الأوليّة، حتى سارعت إلى الإيماء بإصبعها بالنفي، وقالت: "غير صحيح، أنا لم أقل أنّ إبني إنتمى إلى جبهة النصرة، جلّ ما قلته أنّه ترك البيت بعد أن إختلف معي وقصد منطقة القصير. وقبيل توقيفي بيومين إتصل بي وأخبرني أنّ شخصاً،مجهولاً من قبلي، سيحضر ليعطيني مبلغاً من المال، وطلب منّي أن آخذ منه 300 ألف ليرة لنفسي والباقي وهو 900 ألف، أن أرسله إلى إمرأة في عرسال. ولكوني أعمل كمتطوّعة في الإغاثة، وافقت وأخذت حصّتي من المال على أساس أنّه كـ"بدل إيجار الطريق" إلى عرسال، وقد طلب منّي الشخص الذي سلّمني المال أن أمحي رقمه لأنّ "المساعدات" لم تعد متوفرة كالسابق.
وتتابع الأمّ التي تقطن في طرابلس: "إعتدت زيارة عائلتي المقيمة في عرسال بين الفينة والأخرى، ووجدتها فرصة لأذهب وأسلّم المال للمرأة التي أعطوني رقم هاتفها وزيارة أهلي في الوقت نفسه، إلاّ أنني وما إن وصلت إلى منطقة الحازميّة، حتّى أطبق عليّ بعض العناصر الأمنية واقتادوني للتحقيق وجرى توقيفي في 28 أيار من العام الماضي ولا زلت".
تجهش الأم بالبكاء وترتجف وهي تنظر يمينا وشمالاً وتقول: "كانت نيتي سليمة، طبعاً لم يكن في حسباني أنّ المال قد يذهب إلى أي شخص على علاقة بالإرهابيين، أقسم بالله لم أكن على علم بذلك".
وبعد ترافع وكيلة الدفاع عن "ميادة" المحامية ديالا شحادة، أعطيت الكلمة الأخيرة للمتهمة فطلبت الخروج للبحث عن إبنها القاصر المشرّد في الطريق، والذي تمّ طرده من المنزل بعد توقيفها، وتوسّلت القاضي لأن تحصل على البراءة لأّنها لم ترتكب أيّ جرم، فكان لها ما أرادت.