قبل أن يقعده المرض وثقل الأيام، كان النقيب الراحل محمد البعلبكي حركة لا تهدأ على رغم بلوغه عتبة التسعين. تراه حاضرًا في كل مناسبة، مشاركًا ومحاضرًا بصوت جهوري وذهن متقد وذاكرة لم تخنه مرّة. يستشهد بآيات من القرآن الكريم ومن الإنجيل المقدس، وبآبيات من الشعر. خطيبًا مجّليًا على المنابر. يحاجج بمنطق مشبع بثقافة واسعة. سريع البديهة. ظريفًا في تلميحات لا تخلو من التطابق و"اللعب على الكلمات".
في كل مرّة كنت ألتقيه كنت أبادره بلقب "شيخ الشباب"، فيقول لي بثقة الواثق: "شاب الشيوخ". وفي ذلك ما يدّل على أن السنين لم تفعل فعلها ولم تترك بصماتها على إرادة قدّت من صوان.
كان يتباهى بالتذكير أن من بين تلامذته، يوم كان مدّرسًا، غبطة البطريرك اغناطيوس هزيم وعميد الصحافة غسان التويني وغيرهما، وقد سبقاه إلى حيث لم ترَه عين ولم تسمع به اذن ولم يخطر على بال.
عاصر كل العهود، وكان له معها صولات وجولات. لم يهادن ولم يساوم. وكان السجن لأكثر من مرّة ثمنًا لتمسكه بما كان يؤمن به، وهو من الرعيل الأول الذي واكب نضال من رأى فيهم شمولية في الرؤية والتطلع في زمن المتغيرات. لم يتغير وإن هم تغيّروا. ولم يحد عمّا كان يؤمن به من عيش مشترك جسّده في محيطه العائلي الصغير.
محمد البعلبكي، وإن غاب بالجسد، باقٍ في الذاكرة والتاريخ، وهو الذي ملأ الفراغات بحضوره الآثر. لم تكن تسعينياته مجرد تراكم لأيام رتيبة، بل نبضٌ حياة متجدّدة مع شروق كل شمس، ومعها كان يتجدّد الأمل بغدٍ أفضل، على رغم ما في اليوميات من اسباب تدعو إلى اليأس والقنوط، وهما كلمتان لم تكونا في قاموسه، إذ كان يزرع حيث ما حلّ، وفي أصعب الظروف، ما يعطي الأمل والتفاؤل.
محمد البعلبكي علم إعلامي وإسم لامع لا كسائر الأسماء. لن ننساك في زمن ندرت فيه الأسماء المكتوبة حروفها من ذهب، ولن تنساك صحافة تتهاوى وصفحات صحف آيلة إلى الإندثار، وهذا ما آلمك أكثر من ألم الجسد، وقد رحلت وفي قلبك غصّة.