تنشر إحدى الصحف السويدية الشهيرة خبراً مصوّراً عن زيارة قام بها الملك السويدي إلى مركز للشرطة ومدرسة في إحدى المدن الأسوجية. "الفيديو" بثوانيه القليلة يسعى إلى تسليط الضوء على خطوة لافتة قام بها الملك، مع العلم أن لا العنوان ولا مضمون الخبر الصغير يوحيان بالتبجيل، ولا "بتقديس" فعلة الرجل. يُظهر المشهد الآتي: يخرج الملك كارل غوستاف من سيارته (طراز أودي) ويُسارع إلى إلقاء التحيّة على شرطية تستقبله عند الباب. مرافقٌ واحد مشى خلف الملك، ولم يظهر في الصورة لا مواكب ولا طرقات مقطوعة إذ ظلّت حركة المرور عادية. ثم يأخدنا الخبر المصوّر إلى داخل الصفّ في المدرسة، وقد جلس غوستاف هناك مع الطلاب الصغار يحادثهم. ما إن علم بأنه عيد مولد إحدى التلميذات، حتّى بادر فوراً إلى تأدية الأغنية الخاصة بهذا الاحتفال، وغمرها متنمياً لها حياة هنيئة.
لم يكن هذا "الحدث" حدثاً في السويد. استفاق السويديون كالمعتاد: شربوا القهوة وتوّجهوا إلى أعمالهم، إما بالباص أو بواسطة الدراجة الهوائية. لم يأبه أحدٌ للتداول في الموضوع ولا بتحويله إنجازاً يستحق جائزة نوبل التي تقدمها هذه الدولة الاسكندينافية. أقصى ما يفعله مواطنٌ في السويد في حالات مماثلة هو رسم ابتسامة رقيقة، عادة ما تميل إلى الاحتفاء بالطفلة، لا بخطوة الملك، رغم الاحترام الكبير الذي يلقاه.
من يظنّ الشعب السويدي نفسه؟ و"مين مفكر حالو الملك يعني"؟!
الإجابات، على بديهيتها، تتباين بحسب المجيب. يعرف، بل يؤمن المواطن في تلك الدول بأنه...إنسان. إنسانٌ لا يرتفع شأنه أو يتميّز إلا باتخاذ كلّ إجراءات الإنسانية والاحترام والمساوة والمواطنة.
تماماً،على عكس ما يحدث في لبنان. في حالات نادرة جداً، يحصل وأن يقف أحد السياسيين في الصفّ منتظراً دوره، فُيدرج هذا "الخبر" ضمن الأخبار الرئيسية ويتصدر العناوين. وعلى رغم تذمّر اللبنانيين من سلوك أصحاب السعادة والمعالي الذي ينمّ عن تعجرف وفوقية وقلّة احترام، فإنهم عادة ما لا يترددون بالتصفيق الحارّ لهؤلاء حينما يتصرفون على غير عاداتهم، أي مثلما يتصرّف جميع البشر! وهذه نزعة "سكيزوفرينية" لها أسبابها وحيثياتها، وتتعزز "مبرراتها" مع انتشار التحزّب المتشدد أو التبعية "العمياء"، إذ غالباً ما يأتي التبجيل من قبل "جمهور" السياسيّ ووسائله الإعلاميّة في محاولة لتجميل صورته وإظهارها بأفضل شكل ممكن.
هذا السلوك يؤدي بطبيعة الحال إلى تعزيز نظرة كل طرف تجاه نفسه وتجاه الآخر في آن. يغدو السياسيّ أكثر "تطرّفاً" في تصرفاته فتترجم إما بمزيد من الفوقية وضرب القوانين بعرض الحائط أو بجرعة نافرة من الاستعراض والتمثيل. وفي الموازاة، يصبح المواطن متساهلاً مع الشواذ ومتقبلاً له ظناً منه أن هذا هو عين الصواب.
المشكلة لا تقف عند حدود العلاقة بين السلطة والشعب. وكأنها وباء معد، تنتقل من سياسيّ إلى مدير إلى موّظف إلى معلمين إلى أهل، وربما من هناك كانت قد بدأت المعضلة، هذا اذا قررنا عدم الخوض في تعقيدات المجتمع الذكوري والطائفي...والإقطاعيّ!
ولعلّ أكثر من يعاني من هذا السلوك المشين، هم الصحافيون الذين يتعبون ويشقون طيلة النهار للحصول على معلومة أو موقف أو توضيح أو رأي. في بلد لا يزال فيه الوصول إلى المعلومات مهمة صعبة أشبه بالصعود إلى القمر، ثمة من يتجرأ على إقفال الخطّ بوجه صحافي يستأذن بلطف تخصيصه ببضعة دقائق كي تكتمل عناصر الموضوع الذي يعالجه. والحال أن ليس السياسيين وحدهم المصابون بوقاحة وقلّة احترام، فقد بات رئيس جمعية أو صاحب شركة أو خبير في قطاع ما، أكثر براعة في صدّ الصحافيين بطرق غير لائقة، تخفي ما تخفيه من عيوب وشوائب وعقد.
متى سيفهم هؤلاء أن الصحافيين ليسوا بطفيليات تزعج خواطرهم أو تعكّر صفو قيلولاتهم السخيفة؟ بل متى سيخرج من أهل الإعلام بطلٌ يفضح قليلي التهذيب وعديمي المسؤولية، داعياً إلى مقاطعة كلّ من يتجرأ على إهانة زميل أو زميلة؟ متى سيطلّ من يسأل كلّ مسؤول أو سياسيّ أو عامل في الشأن العام "مين مفكر حالك انت؟"
ربما، حين يعرف اللبناني قيمة نفسه. وربما حين يرفض لعب دور المهرّج ليهلل لسياسيّ يقود سيارته بنفسه أو...يؤدي واجباته الطبيعية!