زار البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قبل ظهر اليوم، مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في كفر حباب يرافقه المشرف على الدوائر البطريركية المطران جوزيف نفاع، امين سر البطريرك الأب بول مطر، منسق مكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية الأب توفيق بو هدير، ومدير المكتب الإعلامي المحامي وليد غياض، وذلك في اطار برنامج الزيارات التي يقوم بها الراعي الى المدارس في لبنان للقاء الطلاب والتحدث اليهم، بتنظيم من مكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية وكان في استقباله والوفد المرافق الرئيسة العامة لرهبنية القلبين الاقدسين الأم دانيالا حروق، رئيسة المدرسة الأخت هيام ابو جودة، الراهبات والكهنة، الهيئتان الإدارية والتعليمية، لجنة القدامى ولجنة الاهل وطلاب المدرسة الذين احتشدوا في الملاعب ورفعوا الأعلام البطريركية واللبنانية واعلام المدرسة وهتفوا مرحبين بالبطريرك الراعي الذي منحهم البركة الرسولية وصافح عددا منهم.
حروق
استهل اللقاء بكلمة ترحيبية لحروق في الباحة الخارجية للمدرسة قالت فيها: "كلمك الرب فاصطفاك مختارا من الشعب، عالم كماروني، مغامر من جبيل، حضاري من لبنان واليوم، بطريرك لبنان على راس أنطاكية وسائر المشرق، متجذر بالقيم الإنجيلية، وحبيب الطفولة والشبيبة. عاشق الحرية، هائم الديمقراطية، أصيل في جذورك الوطنية، مدافع شرس عن الحقوق الإنسانية، متمرس بروحانيتك المشرقية".
وتابعت: "أصلي لبطريركنا، فهو خشبة خلاصنا للأرض اللبنانية، معقل الحرية وللشبيبة الواعدة، رجاء المستقبل، ولرهبانيتنا ولمنظمي هذه الزيارة التاريخية. نصلي معا، لكل من دافع عن الصيغة اللبنانية الفريدة في هذا المشرق، ولكل من استشهد في سبيلها، أخواتي الراهبات والأسرة التربوية، تحيط بك، بطريركنا المحبوب، وجوه مشرقة، عقول نيرة، وقلوب نابضة، نجهز بإيماننا بالأرض والمعترف بحدودها الدولية حسب ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وبوجه لبنان الحضاري. ولكم تغنيت، يا صاحب الغبطة، وجاهرت به في سينودوس "رجاء من أجل لبنان" وفي كل المحافل الدولية وكنت ولا تزال بوق الحق، وقلب الكنيسة النابض والمحاور اللبق والحازم".
وختمت حروق: "تحية ملؤها الافتخار بثانوية كفرحباب: عين ساهرة على "الانسان وكل إنسان"، نجم لاح في سما لبنان، للعلم والنور غدت عنوان، فللرب المديح والشكران. أسوق كل الإعجاب والتقدير لهذه الثانوية، فهي معقل حضاري عريق في قلب كسروان، نتقن اللغات والتربية والسلوكيات، شكا لليهود وجهالة للأمم. نعاند الموجة المدنية، بمنافسة شريفة، وبتجويد الخدمة الثقافية. فلا ليسه ولا سابيس ولا خوف علينا".
بعدها وجه طالبان من الصف الثالث اساسي كلمة للراعي أكدا فيها على "فرح الطلاب بلقاء الأب الروحي لهم في رحاب مدرستهم ليعبروا عن مدى حبهم وتقديرهم واحترامهم له". واذ عرضا "للمسؤوليات الكبيرة الدينية والوطنية التي يحملها البطريرك طيلة مدة ولايته"، سألا الراعي باسم رفاقهم في الصف "امكانية الإحتفال بالذبيحة الإلهية معه في الصرح البطريركي في بكركي بعد احتفالهم بسر المناولة الاولى، وان يحملهم دائما في صلواته".
الراعي
بدوره اعرب البطريرك الراعي عن تأثره "بالكلمات الصادقة" التي سمعها مؤكدا ان "القداس الخاص بأطفال المناولة الأولى في البطريركية في بكركي سيكون في الموعد الذي يحددونه".
ورأى أنّ "هؤلاء التلامذة هم مستقبل لبنان وهذا المستقبل يبنى هنا في المدرسة التي نشأتم فيها بفضل الجسم التعليمي وكل من يعمل في المدرسة من دون استثناء لأن لكل فرد وظيفته التي تساهم بشكل اوبآخر في صقل شخصية كل تلميذ".
ثم كانت جولة للراعي والوفد المرافق على باقي اقسام المدرسة حيث اصطف التلامذة من مختلف الصفوف لإلقاء التحية ونيل البركة، ليتوجه بعدها الجميع الى مسرح المدرسة حيث دار حوار بين الراعي وتلامذة صف الثاني والثالث ثانوي بمختلف فروعه.
كوستانين
وقبيل البدء بالحوار، رحبت المسؤولة عن المكتب الإعلامي في المدرسة غادة كوستانين بالبطريرك الراعي والحضور، وقالت: "يا صاحب الغبطة أعطي للرعية راع يحمل بشارة الشركة والمحبة، فمن يقوى عليها"؟
وأضافت: "لقد جئتنا يا صاحب الغبطة من بكركي حاملا بيد شموخ الأرز وبيد ثانية مجد لبنان. لقد اتيت لزيارة مدرستنا وهي غصن وفير من شجرة القلبين الاقدسين. هنا نسعى كل يوم أن نحقق مبادىء رهبتنا، التي انطلقت منذ قرن ونصف قرن لتثقيف نصف المجتمع أي المرأة، وما زلنا نربي الشابات والشبان على محبة الله وخدمة الإنسان كل إنسان. وما نحاول زرعه في قلوبهم وعقولهم الطرية هو الفخر بالإنتماء إلى هذه الكنيسة المشرقية التي أنعمت على لبنان والعالم بقديسين مثل مارون وشربل ورفقة ونعمة الله ويعقوب واسطفان."
وتابعت كوستانيان: "يا صاحب الغبطة يقولون ان للشباب الغد، ويقولون ان الشباب لا يعرف كللا ولا مللا، وفي عينيه بريق الأمل الذي لا يخبو. في قلبه دفء الحب الذي لا ينضب. وفي سواعده اندفاع القوة والشجاعة. هكذا يقولون ولكن بعض شبابنا اليوم يقول: نحن جيل الشباب نفتقد الأمل، نفتش عن الحب ونفتقر الى القوة والشجاعة، لماذا؟ لماذا نشعر ان هذا العالم ليس عالمنا وان الواقع المفروض علينا لايشبه أحلامنا ولا يحقق طموحاتنا وآمالنا؟ لماذا نشعر احيانا وكأننا في غربة مرة على أرض وطن عرف كملجأ لمسيحيي الشرق المضطهدين. هل من الطبيعي ان نشعر بوطأة الظلمة في بلد الاشعاع والنور؟ وان تطبق علينا المنافذ في بلد شرع ابوابه لكل مقهور ومظلوم ومستفرد في هذه الدنيا الواسعة؟ لا، هذا امر غير طبيعي، هل مسموح ان يحلم شبابنا بسماء غير سماء لبنان وأن يسكنوا حقيبة السفر علها تنقلهم الى فضاء وسيع أرحم من وطنهم لبنان. لا هذا غير مسموح".
وختمت: "وجودكم معنا يا صاحب الغبطة اليوم، سيذكرنا أن لبنان كان وسيبقى وطننا وملجأنا ومسقط رأسنا. نحن للبنان ولو كنا أحيانا نشعر بأنه ليس لنا. نتأمل بفضل وجودكم اليوم ان نستفيق وننفض عنا غبار اليأس الرمادية ونترك جانبا شعور الاحباط والخيبة وندخل عالم النور من جديد".
ابو جودة
وكانت كلمة رئيسة المدرسة الأخت هيام ابو جودة قالت فيها: "من قلب مريم بشارة أتيتنا. ومن قلب يسوع غدوت راعيا وأيقونة لنا ومجد لبنان الذي أعطي لك أضحى بك في القلبين الأقدسين مجدا لنا. هوذا البطريرك السابع والسبعون، بطريرك "الشركة والمحبة"، هوذا من قالت فيه نبوءة اشعيا النبي "مجد لبنان أعطي له"، وعلى مشارف الذكرى السادسة لتوليه رئاسة الحلقة الأسقفية في كنيسة مارون، بطريركا على كنيسة انطاكيا والمشرق والعالم خادما لشعب مارون، هوذا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي صاحب الغبطة والنيافة، وصاحب الرؤية الرسولية، هوذا تلميذ راهبات القلبين الأقدسين في جوار حملايا يأتي اليوم بلباس الوفاء والمحبة ليزور مدرستنا التي منها نهل علما وروحانية وانفتاحاً".
اضافت: "أهلا وسهلا بكم يا صاحب الغبطة في مدرستكم، مدرسة راهبات القلبين الأقدسين - كفرحباب التي شارفت على خدمتها التربوية والروحية والاجتماعية والانسانية لمئة سنة تقريبا في خدمة جونيه وكفرحباب والمنطقة، وهي لا تزال أمينة على رسالتها في بناء الانسان ساعية أن تجعل رحابة هذه المساحة التربوية مكان حياة. واضعة نصب أعينها هم التربية الشاملة المبنية على قيم الانجيل لنرتقي بطلابنا إلى نجاحات الحياة، وتنشئتهم على مبادئ الحرية والالتزام والمسؤولية والعدالة، والانفتاح، والتنوع، تربيتنا المرتكزة على اتقان المعرفة والعمل، سائرين معا رهبنة ومربين وأهلا وطلابا إلى مستقبل واعد بوفرة الحصاد والتألق، ودائما بمعية الله ولمجده".
وتابعت ابو جودة: "لنا يا صاحب الغبطة في زيارتكم وهذا التلاقي نعمة سيمنحها الرب لنا ولكم، وهدية وفرحا وعيدا نهديه لقلبي يسوع ومريم، بهجة هذا اللقاء نقرأه في ابعاد ثلاثة:
اولا: زيارة البركة، تزورون هذا الصرح التربوي، وأنتم تخرجون من صرحكم إلى ضواحي قريبة تحملون بركة الرب، ومحبته وحضوره، بركة لأهالينا وأساتذتنا وطلابنا، وموظفينا بركة لجهدنا وورش العمل الكبيرة في بناء الانسان نحن بحاجة إلى بركة الرب من خلال يمينكم في زمن الأزمات والتحديات والهموم الاقتصادية والأمنية.
ثانيا: زيارة للقاء شبيبتنا، كما نظر المسيح إلى ذاك الشاب وأحبه، تأتون اليوم إلى رحاب مدرستنا وتحملون لشبيبتنا نظرة المسيح المحبة، تأتون لتسمعوهم وتحاوروهم إيمانا منكم أن الشبيبة هم صانعو التاريخ وكل تجديد وتغيير، وهم قلب الكنيسة النابض وأملها وسر غناها وكنزها، وشبيبتنا أمام أزمات الايمان والآفاق المسدودة وخيبات الآمال يصرخون اليوم على عتبة سينودس الشبيبة في تشرين الأول 2018 الذي أعلنه قداسة البابا فرنسيس، مشددا على أخذ الشبيبة على عمل الجد وعلى عدم خداعهم وعدم سرقة الأمل منهم، وتقديم المثل العليا، زيارتكم هي تشجيع لهم وتحفيزهم لمواجهة هذا المستقبل.
ثالثا: زيارة وديعة ومسؤولية، تلجون أعتاب مؤسستنا التربوية فنحيا معا سر الشركة والمحبة، فتحملون من خلال هذه الزيارة النعمة وديعة، إلا وهي أن تحملوا قلبي يسوع ومريم، وتنظرون من خلالهما إلى آلام شعبنا ومعاناته، أن تنظروا من خلال قلب يسوع وقلب مريم إلى قلوب الناس المغلقة لادراك سر الايمان، وتنظروا إلى قلوب الناس المثقلة بالجراحات، وهذه الوديعة قد تسهم في بناء قلب جديد يخلقه الرب بنا وفق قلبه، يحملكم مسؤولية جديدة ان تنطلقوا من مدرستنا وتكونوا السفير لشبيبتنا لدى رؤساء الكنائس والأبرشيات ولدى المراجع الدينية. فنحن مسؤولون أمام الله والتاريخ عن مستقبل شبيبتنا".
وختمت ابو جودة:"واذ نشكر لغطبتكم هذه المبادرة لزيارة معهدنا مع الوفد المرافق، نحمل دعاءنا للرب في كل حين من أجلكم، لتكونوا أمامه أنبياء هذا الزمن ويمنحكم وفرة الثمار والبركات وطول العمر ويمنح مدرستنا ورهبنتنا نعم وبركات هذه الزيارة".
الراعي
وبعد وقفة مع الفنان نادر خوري الذي أنشد اغنية "اذا غاب الراعي بيضيع القطيع،" كانت كلمة للراعي وجه فيها تحية تقدير وشكر ومحبة لرهبنية القلبين الأقدسين ممثلة برئيستها الأم دانيالا حروق ورئيسة المدرسة الاخت هيام ابوجودة والراهبات والكهنة المرشدين في المدرسة اضافة الى الهيئتين التعليمية والإدارية والطلاب والعاملين في المدرسة وكل من "عمل على تنظيم هذه الزيارة التي نلتقي فيها مع شبابنا مستقبل لبنان".
وقال: "اليوم هي الغبطة الحقيقية بلقائكم. انتم من هو قادر على تغيير المستقبل. فالمستقبل يولد من الأجيال الجديدة. لنا ملء الثقة بكل ما تربيتم عليه في هذه المدرسة من مبادئ وقيم. لذلكم انتم مسؤولون عن التغيير. التغيير في المفاهيم الخاطئة التي وللأسف باتت معيارا عند البعض. فالسرقة موجودة اذا فلنسرق والرشوة موجودة ايضا فلنرتش وغيرها من الأمور الفاسدة التي تدمر مجتمعنا وتقضي على قيمنا ومبادئنا الصحيحة. عليكم قول كلمة لا لكل ما هو فاسد واتخاذ قرار بالتغيير وذلك من خلال العودة الى القيم التي نشأتم عليها".
واضاف: "ستكونون مسؤولين غدا. نعم ستتحملون مسؤوليات في الدولة او في العائلة وتصبحون آباء وامهات وتبنون العائلات. لن تعرفوا اين ستكونون ولكن عليكم تحمل المسؤولية اينما وجدتم. لبنان لن يقوم الا بزنود شبابه وابنائه لا تنظروا الى الخارج وتتأملوا منه ان يبني لبنان. نعم انتم قادرون على تغيير مجرى المستقبل في وطنكم الحبيب والمطلوب منكم ان لا تنجرفوا في تيارات فاسدة وان تقفوا دائما في وجه الباطل وان تعملوا وفق القناعات التي تربيتم عليها في عائلاتكم هذه القناعات المرتكزة على القيم المسيحية الصادقة".
وفي رده على الأسئلة التي طرحها عدد من التلامذة والتي تمحورت حول ما هو شخصي وكنسي وروحي وأخيرا سياسي، لفت الراعي الى انه "سمع صوت الرب ودخل الى الرهبنة عن عمر 12 سنة"، شاكرا لراهبات القلبين الأقدسين مساعدته على "إكتشاف دعوته فهن "كن يزرن كل يوم احد قريتنا حملايا ويدربوننا على خدمة القداس والصلاة وهذا فتح امامي الخط مع الله".
وعن الصعوبات التي يواجهها كبطريرك على رأس الكنيسة المارونية قال: "عدا عن المسؤولية التي يحملها البطريرك تجاه رعيته هناك دوره الوطني وهو دور تاريخي. وللبطريركية المارونية تاريخ طويل في مسيرة لبنان وهي اصبحت مرجعية لا مصالح سياسية ولا لون لها. انها للبنان بكل ابنائه. ولكن في الداخل تواجهنا بعض الصعوبات، عندما تتضارب الآراء والأفكار. فاذا اطلق البطريرك موقفا يعتبره كل فريق اما موقفا مؤيدا او موقفا معارضا وهنا تبرز الإنتقادات والنميمة وتنشط مواقع التواصل الإجتماعي وتكون الإعتداءات اللفظية والكذب وهذا امر لم نعتد عليه في حياتنا الرهبانية لأننا تعلمنا الصبر والإماتة في شتى الظروف. وهنا اقول نحن لا نرتدي اللون الاحمر للتباهي وانما هو لتذكيرنا بان طريقنا الإستشهاد وتحمل الآلام لنصل الى نهاية الأمور".
وعن الهدف من اليوم العالمي للشبيبة الذي سيقام في لبنان في تموز المقبل،اكد ان: "الهدف من هذا اللقاء هو ان يتعرف شبابنا الماروني الى بعضه البعض في لبنان والإنتشار والأهم هو جذب ابنائنا الى لبنان فنحن يهمنا ارتباطهم بلبنان وطنهم الام وان يحافظوا على جنسيتهم وان يعززوا علاقتهم بكنيستهم الأم ويحملوا تراثنا اللبناني الماروني الى مجتمعاتهم".
وردا على سؤال حول اهمية وسائل التواصل الإجتماعي وتأثيرها، اوضح الراعي ان "هذه الوسائل هي نعمة كبيرة والكنيسة تسميها انبياء هذا الجيل. ولكن شرط ان تحافظ على رسالتها. ولكن للأسف اليوم القسم الأكبر منها يتكلم بلون مموله فيفقد قيمته في تكوين الرأي العام. وباتت الوسائل تستعمل للخلاعة وهدم القيم الأخلاقية والروحية والإساءات للناس يكتبون ما يريدون ويسيئون الى من يريدون دون رادع او دستور".
وفي الختام سجل الراعي كلمة على السجل الذهبي للمدرسة بعد ان تسلم هدية تذكارية قدمتها الأم حروق والاخت ابو جودة.
وأثنى الأب توفيق بوهدير على اجواء هذا اللقاء الذي اعتبره مميزا داعيا الشبيبة الى ان "يكونوا نور العالم بافعالهم واقوالهم"، وقدم لهم هدايا تذكارية باسم الراعي.