أمل البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي أن تعبر الجماعة السياسية في لبنان، مع «فصح» المسيح إلى نمط حياة جديدة، لكي يتمكن المواطن اللبناني من «العبور» إلى حالة وطنية واقتصادية واجتماعية ومعيشية أفضل، معتبراً أن باب عبورهم هو «الخروج» من أسر ذواتهم وحساباتهم الصغيرة ومصالحهم الضيقة، المؤمنة على حساب الذات اللبنانية والصالح العام للدولة ومؤسساتها وشعبها. ورأى أن «الجماعة السياسية عندنا لا تستطيع مواصلة تقاسم مقدرات البلاد والمناصب والمال العام في ما بين مكوِناتها، وفقاً لقدرات النافذين فيها، وتعطيل كل شيء عند خلافاتهم التقاسمية، تحت ذريعة قاعدة التوافق، غير آبهين بالأضرار الجسيمة التي تلحق بالمؤسسات العامة وبالشعب». مشدداً على أن «عيد الفصح يدعوهم للعبور إلى حقيقة مفهوم الميثاق الوطني، وأبعاد العيش المشترك، وروح الدستور ونصه، وإلى حماية هذه الأركان الوطنية الثلاثة التي تميز لبنان».
وقال الراعي في رسالة الفصح بعنوان «دحرجة الحجر» التي وجّهها أمس الى اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، في حضور الرؤساء العامين والرئيسات العامات للرهبانية اللبنانية المارونية: «لكم التهاني القلبية مع أطيب التمنيات، يا إخواني السادة المطارنة، ولجميع أبناء أبرشياتكم وبناتها في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الإنتشار؛ ولكم، يا قدس الرؤساء العامين والرئيسات العامات الذين تحيون هذا اللقاء والصلاة ككل سنة، ويا سائر الرهبان والراهبات في الأديار والمؤسسات والرسالات؛ ولكم أيها الحاملون جراح المسيح في أجسادكم ونفوسكم وأرواحكم، أنتم أيها المرضى والمعوقون، وأيها الجائعون والفقراء والمحرومون من حقوقهم الأساسية والعيش الكريم. ولكم بشرى القيامة وثمارها المرجوة، يا ضحايا الحروب الدائرة في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا وسواها، المطرودون من بيوتكم وأراضيكم والمظلومون والمشردون على طرقات العالم. فأنتم الضحايا البريئة لحروب الكبار الذين يفرضونها عليكم من أجل مكاسبهم الإقتصادية والإستراتيجية والسياسية، ومن أجل التجارة بأسلحتهم، جاعلين من مدنكم الزاهرة ومكتسباتكم الحضارية وأوطانكم المحبوبة وشعبكم الأبي حقول تجارب لقدرات أسلحتهم الهدامة والمتطورة، تحت شعارات كاذبة واتهامات افترائية، ووعود براقة تتبخر في سراب الحروب المتجددة فصولاً وأنواعاً وأمكنة، مخالفين القوانين الدولية، ومنتهكين شريعة الله الناهية عن القتل وعن استباحة حياة الإنسان والتعدي عليها في الجسد والروح والحقوق الأساسية، وخانقين صوت الضمير، وهو صوت الله في داخلهم، وجاعلين قلوبهم من حجر».
أضاف: «ولكم عزاء المسيح القائم من الموت، أيها الإخوة الأقباط، ضحايا الاعتداءين الوحشيين والجبانين عليكم وأنتم تصلّون في أحد الشعانين بحضرة الله، في كنيسة مار جرجس بطنطا، وفي الكنيسة المرقسية بالإسكندرية. ونشكر الله معكم على نجاة رأس كنيستكم وأبيها قداسة البابا تواضروس. إننا روحياً بقربكم يا مسيحيي مصر وبقرب أهالي شهداء الإيمان الذين سقطوا من بينكم، متضامنين في ألمكم وصمودكم، ومصلين، كي يقبل الله قرابينهم مع قربان ذبيحة ابنه الخلاصية، التي أحييناها بالأمس، فتكون لفداء مصر العزيزة وشعبها، ولارتداد الأشرار ومستعمليهم الكبار الأجرم منهم. وإننا اجتماعياً ووطنياً ندين ونرفض هذا الاضطهاد السافر الشبيه بعملية صيد، والمتكرر بشكل مبرمج، لإخواننا المسيحيين في مصر، ونطالب المسلمين والدول الإسلامية باتخاذ مواقف جامعة ومبادرات فعلية لردع هذا الاضطهاد، وحفظ صورة الإسلام الإيجابية. فإن المسيحيين موجودون في مصر والبلدان العربية منذ ألفي سنة، وهم فيها مواطنون مخلصون لأوطانهم وشركائهم فيها، وقد أرسوا أسس حضاراتها قبل مجيء الإسلام بستماية سنة. وإننا نطالب سياسياً الأسرة الدولية بكف يد الدول التي تغطي الحركات التكفيرية والمنظمات الإرهابية وتمدها بالمال والسلاح، وتوظِف الإرهاب لمصالحها الرخيصة والمجرمة. وليعلم الجميع أن المسيحيين ليسوا مكسر عصا لأحد، وأنهم خميرة حضارة وقيم في مجتمعاتهم، وضرورة لها لا غنى عنها من أجل ترقيها على جميع المستويات».
وأكد «أننا جميعاً ندين كل أنواع الحروب والاضطهادات والإعتداءات. فلا من مبرر لها، ولا من منطق يؤيدها. بل إنها وصمة عار على جبين الأسرة الدولية، من دول كبرى ودول تابعة لها ولسياساتها، يطبعها انعدام الإرادة الحسنة عندها لوضع حد للحروب والاعتداءات الجائرة والهدامة، ولإيجاد حلول سياسية وديبلوماسية للنزاعات، ولإرساء الأسس الكفيلة بإحلال سلام عادل وشامل ودائم في منطقتنا المشرقية. ولعلهم يجهلون أن على أرضنا أتم المسيح - الإله فداء الجنس البشري وأضفى على الحياة البشرية قدسيتها وكرامتها، وأن منها أعلن المسيح للعالم إنجيل السلام. والعار يلحق حكام الدول، أصحاب النفوذ المالي والعسكري، الذين جعلوا من أرضنا المشرقية أرض حرب وقتل وتدمير، ومرتعاً للمنظمات الإرهابية والحركات الأصولية. لقد أشعلوا ناراً يظنون أنها تحرق في مكانها، لكنها امتدت إليهم وإلى سواهم، ومن المؤسف أن ضحاياها من الأبرياء، فيما هم يتباكون بدموع التماسيح على نتائج ما فعلوا، من دون إزالة أسبابها».
وهنأ الجماعة السياسية في لبنان، بالعيد، آملاً «أن يعبروا مع «فصح» المسيح إلى نمط حياة جديدة، في حياتهم الخاصة وحياتهم العامة، لكي يمكنوا المواطن اللبناني من «العبور» إلى حالة وطنية واقتصادية واجتماعية ومعيشية أفضل». ورأى أن «باب عبورهم هو «الخروج» من أسر ذواتهم وحساباتهم الصغيرة ومصالحهم الضيقة، المؤمنة على حساب الذات اللبنانية والصالح العام للدولة ومؤسساتها وشعبها»، معتبراً أن «الجماعة السياسية عندنا لا تستطيع مواصلة تقاسم مقدرات البلاد والمناصب والمال العام في ما بين مكوِنات هذه الجماعة، وفقاً لقدرات النافذين فيها، وتعطيل كل شيء عند خلافاتهم التقاسمية، تحت ذريعة قاعدة التوافق، غير آبهين بالأضرار الجسيمة التي تلحق بالمؤسسات العامة وبالشعب».
وشدد على أن «عيد الفصح، الذي يعني العبور، يدعوهم للعبور إلى حقيقة مفهوم الميثاق الوطني، وأبعاد العيش المشترك، وروح الدستور ونصه؛ وإلى حماية هذه الأركان الوطنية الثلاثة التي تميز لبنان. ويدعوهم للعبور إلى ممارسة العمل السياسي واستعمال السلطة الشرعية، بالشكل الفني الجميل، القائم على تنظيم الحياة العامة في مقتضياتها اليومية ومتفرعاتها؛ وتنظيم الدولة في نشاطها الداخلي، إدارة وأجهزة وتخطيطاً وتحقيق مشاريع تنمي ميادين الاقتصاد والاجتماع والتشريع والثقافة، وفي نشاطها الخارجي بعلاقاتها البنّاءة مع الدول وإبرام الاتفاقيات العمرانية معها؛ وتعزيز محبة الوطن، بقيمه وتراثه وحضارته ودوره في الأسرتين العربية والدولية، في نفوس أبنائه وشبابه، وتحقيق آمالهم وتطلعاتهم وإزالة هواجسهم، ودرء ما يتهددهم من أخطار اليوم وغداً».
بعد ذلك، استقبل الراعي في صالون الصرح المهنئين بالعيد من مطارنة أبرشيات وكهنة ووفود وشخصيات.
وكان البطريرك ترأس أول من أمس، رتبة السجدة ودفن المصلوب في كنيسة القيامة في بكركي، في حضور الكاردينال نصر الله بطرس صفير ولفيف من المطارنة والكهنة. وشارك في الرتبة ممثل رئيس حزب «القوات اللبنانية» نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني، النائب سامر سعادة، الوزير السابق سجعان قزي، مدير مستشفى البوار الحكومي شربل عازار، الرئيس السابق لبلدية جبيل جينو كلاب، رئيس «مؤسسة البطريرك صفير» الياس صفير، رئيس تجمع صناعيي قضاء جبيل جورج خير الله وحشد من المؤمنين. وألقى الراعي عظة بعنوان: «نسجد لك أيها المسيح ونباركك، لأنك بصليبك المقدس خلصت العالم»، قال فيها: «مع موت يسوع طويت صفحة كاملة من تاريخ البشر، وينبغي أن يطوي كل واحد وواحدة منا صفحته العتيقة، لنبدأ فجراً جديداً مع فجر القيامة. فالمسيح مات من أجل خطايانا، وقام من أجل تبريرنا».
والتقى الراعي مدير المخابرات الجديد في الجيش العميد الركن طوني منصور، وتمنى له التوفيق في مهامه الجديدة، منوهاً بجهود الجيش «قيادة وضباطاً وعناصر في توفير الأمن والاستقرار»، حسب ما جاء في صحيفة "المستقبل".