لا تلمع عينا سليم سالم حين يتحدث عن إمكانية دخوله "موسوعة غينيس" بقدر ما يتوّهج وجهه المتأمل في مكتبته الخاصة. 88 عاماً في الحياة، والرجل مازال يأبى الخلود إلى النوم قبل قراءة تمتدّ لساعتين أو ثلاث كحدّ أدنى. أمّا نهاراً، فيواظب على إعداد برنامجه اليومي، "أخبار جهينة"، الذي قد يحقق الرقم القياسي حول العالم.
لا يحب سليم سالم الألقاب. يصيب حين يقرّ بأننا "شعبٌ نحبّ المظاهر ونتوّسل المناداة بمصطلحات تعظيمية كتعويض عن نقص ما في داخلنا". الإنسان قيمة بحدّ ذاته، لا تصقلها إلّا الثقافة. أمّا الحوار، فهو مقدّس. يستشفّ محدّث سالم هذه الميزة فيه منذ ولادة الكلمة الأولى. من يعيش ويعايش الكتب، لابدّ من أن تجذبه "خامة" الفرد، لا شكله أو لونه. يريد لهذا التواصل الفكري بين البشر إلّا يستكين. تراه يغوص في الأعماق. والعمق لغزٌ قابلٌ للمقاربة. تماماً كخلفية الموسيقى التي تحمل مكتبته بين ذراعيها، فتعانق جمالية اللحن، الحرف.
بدأ سليم سالم، الذي درس الكيمياء ومرّ على علم النفس ببضعة سنوات، مشواره كصحافي في لبنان. عرّفه أحدهم على محمد البعلبكي وكان يدير ويملك جريدة اسمها "صدى لبنان". عمل هناك ووجد في هذه المهنة متعة. يقرّ بأنّ بعلبكي حببّه بالصحافة. ثمّ أرشده إلى صحيفة أخرى، لصاحبيها روبير ابيللا وجورج عراج سعادة، واسمها "الزمان" حيث عمل كمحرر حتى سفره عام 1962 إلى الكويت.
مشوار "مهنة المتاعب" في الكويت بدأ في جريدة "الرأي العام"، حيث كان من المؤسسين الأوائل في انطلاقتها. كان يكتب مقالاً يوميّاً وبات له معارف كثر في هذا الوسط. ذات يوم، طلبت منه ادارة اذاعة الكويت كتابة برنامج، فصار له أكثر من برنامج واحد، بين اسبوعي ويومي. بعض البرامج كانت تذاع باللغة الانكليزية ايضاً.
كان يعمل سالم أقلّه 15 ساعة يوميّاً. عمل، بالإضافة إلى "الرأي العام"، في صحيفتي "القبس" و"الوطن". شغل منصب مدير التحرير في daily news الصادرة عن الرأي العام. ترجم عدّة كتب من الانكليزية والالمانية الى العربية.
عام 1973، اقترح على وكيل وزارة الإعلام في الكويت، فكرة برنامج اذاعي ثقافي. لمس سالم آنذاك افتقار الناس إلى ثقافة عامة، على رغم تعطشها لاكتساب معلومات جديدة. وافقت الوزارة وتمّ تكليفه بكتاب رسمي لإعداد برنامج يوميّ يذاع على مدى دورة اذاعية كاملة، اي ثلاثة اشهر. وكان "اخبار جهينة"...
في تمام الرابعة والربع، كانت إذاعة الكويت تذيع البرنامج يومياً. في المضمون الممتدّ على ربع ساعة من الوقت، حوارٌ بين رجل يدعى "جهينة" وامرأة تسأله عن امر ما فيجيبها باسلوب سهل وممتع. الحلقة الواحدة تضمّ 4 أو 5 معلومات عامة مختلفة تُقرأ بالفصحى. أمّا مصدر هذه المعلومات، فهذا عمل سليم سالم! أساس البرنامج أنّه "يقدّم احدث المعلومات لأحدث الأخبار". كان سالم، وبحكم اتقانه للغتين الإنكليزية والألمانية، يطلّع على مجلات علمية غير متاحة للجميع. ينتقي منها دراسات واخبار ومعلومات فيعيد صياغتها لتتناسب مع أسلوب البرنامج الحواري. وكان ايضاً مشتركاً في بنوك المعلومات في المانيا ولندن. المعلومات المقدمة منوّعة، غالباً علمية، لكنها قد تتناول الفلسفة، الاجتماع، الاقتصاد، الجغرافيا وحتى الأخبار الطريفة التي تؤخذ منها العبر.
بعد انقضاء الدورة الإذاعية، طُلب من سالم تجديد البرنامج لدورة ثانية. ثمّ ثالثة نظراَ إلى إقبال المستمعين على متابعته. وبعد، استدعى وكيل الوزارة سالم طالباً منه الإستمرار في إعداد البرنامج إلى أجل غير مسمّى. واستمرّ "اخبار جهينة" ومازال حتى يومنا هذا.
42 عاماً على الهواء كبرنامج يوميّ دون انقطاع. للأمانة يُذكر أنّه توقف بضعة اشهر اثناء الغزو العراقي على الكويت. آنذاك دمرّت الإذاعة، وإلى أنّ تمّ شراء أجهزة جديدة للبثّ، كان سالم يرسل النصّ إلى إذاعة لبنان حيث تسجّل بأصوات مذيعين لبنانيين، ومن ثمّ تذيعها اذاعة الكويت.
بعد تحرير الكويت، عاد سالم إلى لبنان واستقرّ. لكنه وبطلب من الإذاعة الكويتية واظب على إعداد البرنامج. قبل دخول الانترنت الى حياتنا، كان يرسل الحلقة عبر الـ DHL او الفاكس. اليوم يستعين بالـ e-mail. ولا يزال البرنامج محافظاً على توقيت بثّه منذ تأسيسه.
البرنامج بات مرجعاً. أو "غوغل" عصره. يذكر ان تسميته لم تكن عبثية. يشرح سالم ان في احدى الاساطير العربية، كان شخص يدعى "جهينة" يجوب الصحراء فالتقى بآخر، وكان مجرماً اذ قتل شخصاً لسرقة حصانه. وحين وصلا الى مكان حيث كانت شقيقة المقتول تسأل عن اخيها، ردّ عليها القاتل بقصيدة شعر طويلة موجودة في الادب العربي، ومن جملتها: "تسائل عن أخيها كل ركب وعند جهينة الخبر اليقين".
اليوم، علم سالم أنّ إذاعة الكويت، وبمبادرة منها تعمل على إدخال برنامج "اخبار جهينة" في موسوعة غينيس، بحكم استمراره يومياً 42 عاماً دون انقطاع. يقرّ بأنه لو تحقق الامر فسيكون سعيداً. لكنّ سعادته القصوى لا تزال في مكتبته في احدى المدن المتنية. هنا، أكثر من 20 ألف كتاب، واسطوانات موسيقية قديمة وارشيف من الصور. ليس في المكتبة التي يوليها سالم عناية فائقة كتاباً لم يقرأه. "الكتاب مش للزينة. كلّ اكتسب منه معرفة ومتعة مختلفة". وبالرغم من عشقه لهذه المقتنيات الثمينة، إلّا أنّه لا يبخل عند الضرورة. حين تمّ احراق مكتبة "الأب سروج" في طربلس، زاره واهباً أكثر من الف كتاب.
ولا يعترض سالم أن اتاه طلابٌ بحثاً عن متعة القراءة والمعرفة. هو شخصياً، يقرّ بأن ثمة احتمال ان يعيش سنوات بعد. هذه الأعوام لا يريدها على الهامش. بل مع الكتب وبينها وفيها...