اعتبر الوزير السابق فيصل كرامي خلال رعايته عشاء المشاركين في مؤتمر "المستشفى الإسلامي" الطبّي الخامس عن "الطبّ وأمراض الأوعية والشرايين الدموية"، أنّ "لبنان ليس بخير، بل هو بحاجة لأطباء من كلّ الاختصاصات لأنّه مصاب بكلّ العلل التي تصيب الأوطان".
وتساءل كرامي: "هل أعدّد هذه العلل التي نعرفها جميعاً؟ علّة الفقر وعلّة البطالة وعلة انعدام التنمية وعلّة انعدام العدالة وعلّة الكهرباء والماء والنفايات والتلفونات وتراجع مستوى التعليم وطغيان الواسطة والمحسوبيات وصولاً إلى علّة الهجرة باتجاهين، هجرة أصحاب الاختصاصات والمهارات إلى الخارج وهجرة البائسين والفقراء إلى الداخل".
أضاف: "أما علّة العلل التي تسبّبت بكلّ هذا المشهد الأسود فلها اسم واحد لا غير: إنّها علّة الطائفية. إنّها العلّة المزمنة التي تفاقمت وجلبت معها كلّ الشرور والجهل واليأس والفساد، ولا قيامة للبنان إلا بالقضاء الكامل على الطائفية لعن الله من اخترعها ورباها وقواها، وألهم الله من لا زالوا يتمسكون بها بأن يعوا أنّها الخطر الأكبر عليهم وعلى كلّ البنية اللبنانية".
وقال كرامي: "إنّي عازم الليلة على مصارحة اللبنانيين ببعض الحقائق التي قد لا تعجب لا الحلفاء ولا الخصوم في السياسة، لكنّها قطعاً حقائق تحفظ الوطن إذا أردنا لهذا الوطن أن يستمر وأن يكون قائماً على أسس عصرية متينة وعلى أرض آمنة غير معرضة للهزات والزلازل المتلاحقة. الحقيقة الأولى أنّه لا توجد أي فرصة جدية لبناء لبنان على التحاصص بين الطوائف والمذاهب، وأنّ صيغة العيش المشترك كلها بحاجة إلى إعادة نظر تنتشلها من العصور الوسطى وتدفع بها إلى القرن الحادي والعشرين. الظروف التي نشأ فيها لبنان عام 1943، وأقصد الوقائع السياسية والاستراتيجية والقوى الكبرى ذات الفاعلية في منطقتنا، كلّها ظروف صارت من الماضي، وكلنا نعرف أنّنا انتهينا بحرب عبثية دامت 17 سنة لكي نعيد تركيب تسويات تلائم الظروف الجديدة والزمن الجديد، ومن هنا ولد اتفاق "الطائف" الذي صار دستوراً، لكنّه الدستور الذي لم يبصر النور تطبيقاً وتنفيذاً. وأقول في هذا السياق وبمنتهى الصراحة، دعونا نعود إلى "الطائف" ونعتمده وصفة إنقاذ مرحلية، قبل أن يفوت الأوان. "الطائف" حصر الفكرة الطائفية بتوزيع الرئاسات على 4 مذاهب، الموارنة والسنة والشيعة والدروز باعتبار أنّ مجلس الشيوخ الذي ستتمثل به المذاهب سيكون برئاسة درزي. غير ذلك، كل مبحث طائفي أو مذهبي هو لعب بالنار".
وتابع كرامي: "الحقيقة الثانية التي تفرض نفسها هنا هي أنّ المناصفة التي يقرها "الطائف"، هي مناصفة تفاهم وتعايش ورقي بين المسيحيين والمسلمين، وليست في أي لحظة مناصفة حفظ حقوق، فحفظ الحقوق من اختصاص المؤسسات والقضاء والعدالة الاجتماعية ولا علاقة لرؤساء الطوائف، لا الروحيين ولا الزمنيين بحفظ حقوق المواطنين"، معتبراً أنّ "وعي هذه الحقيقة يزيل الكثير من الغشاوات والطموحات الجامحة والأحلام المجنونة التي بدأنا نراها ونسمعها اليوم عبر طروحات انتخابية عجيبة ومعيبة تحت شعار حفظ حقوق المجموعات الطائفية. وبالمناسبة أقول للمسيحيين اللبنانيين أن من يحميهم ويحفظهم وينصفهم ليس الزعيم مع احترامنا لكل الزعماء، وتشغيل المعداد ليس في مصلحتهم ولا في مصلحتنا كمواطنين، بل نراهن عليهم وعلى وعيهم لإخراج البلد من بدعة التنافس بين السنة والشيعة، وليس العكس، أي لا نتوقع منهم أن يكرروا لعبة الموت ويصبح الإنجاز هو التنافس بين السنة والشيعة والمسيحيين".
وقال: "تبقى الحقيقة الثالثة، وهي أخطر الحقائق، لأنّها تشكل المفترق الذي سيعبره لبنان خلال أقل من شهر، وستترتب عليه نتائج مصيرية. نحن، وحتى اللحظة لا نعرف سوى أنّ البلد في نفق التجاذبات والطموحات واللااتفاق، فهل سنصل إلى التمديد للمجلس النيابي؟ هل سنصل إلى الفراغ؟ هل سنعتمد قانون انتخابات يقوم على النسبية؟ هل سنتحايل على مفهوم العيش المشترك ونذهب الى المختلط أو التأهيلي؟ هل سيصبح قانون الستين أمرا واقعا يوقع البلد في الهاوية التي لا قيامة منها؟ كلّ هذه الأسئلة لا أحد في البلد يعرف أجوبة حقيقية لها، والمصيبة أن كل الاحتمالات واردة. اليوم، وحين تضعنا السلطة والقوى الحاكمة أمام 3 خيارات، إما التمديد وإما الفراغ وإما الستين، نقول أننا نختار "الطائف". ولكن هل يدرك أهل السلطة ما هم فاعلون بالبلاد والعباد؟ هل يدركون أنّ اللبنانيين لن تنفع معهم هذه المرة طاولة حوار أو بيانات تفاهم أو وعود ومواعيد؟ هل يدركون أن الشارع سيكون مفتوحاً للجميع، سواء أصحاب القضايا والمطالب المحقة أو سواهم من اللاعبين بالنار أو حتى المكلفين من أجهزة ودول بتنفيذ ما هو أدهى؟ نحن ببساطة على أبواب الانهيار الشامل، وهو يفوق بأشكاله التي سيتخذها كل الحروب والصراعات التي شهدناها واعتقدنا أننا عبرناها بأقل الأضرار. وأكتفي هنا بالقول بأنّ الشعب لن يرحم والتاريخ لن يرحم، وأترك للأعزاء الأطباء الحاضرين معنا أن يخبروا الناس ما الذي يحل بجسم عليل أصيب بكل هذه "الاشتراكات"، ولبناننا جسم عليل يحتاج الى العناية الفائقة السريعة والجيدة والصادقة".