منذ بدء الحرب السورية، وقوافل السوريين تعبر الحدود مع لبنان والدول المجاورة، هرباً من القتل وطلباً للأمن والسلام.
لقد وصل عدد النازحين السوريين في لبنان الى ما يفوق 1,6 مليون نسمة، بحسب الإحصاءات الرسمية، لكن العدد يتخطّى هذا التقدير ليصل إلى أكثر من مليونين، يتوزّع معظمهم على مخيمات في الشمال والبقاع، وذلك في ظروف إقتصادية وإجتماعية وإنسانية صعبة للغاية.
الأكثرية الساحقة منهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية للإقامة، ولا يمكنهم الخروج من لبنان والسفر الى أوروبا، وهو حلم كل نازح سوري، ولا يمكنهم حتى ترك المخيمات تجنّباً للإعتقال.
بداية، يقتضي التمييز بين كلمتي " نازح" و"لاجىء"، فالنازح هو الشخص الذي يترك مكان إقامته مرغماً إلى مكان إقامة آخر ضمن الإقليم ذاته، بينما اللاجىء هو الذي يترك مكان إقامته في الإقليم مرغماً، الى إقليم آخر. والحكومة اللبنانية أطلقت عبارة نازح على السوريين الهاربين، لأن صفة اللاجىء تّرتب على السلطات مسؤوليات تجاه هؤلاء.
موقع "لبنان 24"، سلّط الضوء على معاناة النازحين السوريين في مخيّمات الإقامة.
يُخيّل للناظر إلى هذا المخيم المقام على أرض : غير صالحة للسكن" بحسب البلدية، أنه مجموعة من البيوت البلاستيكية التي تّستخدم في الزراعة، فالخيم شُيّدت بعشوائية، أحجار "باطون" مرصوفة، وسقف من النايلون للحماية من المطر. كان من المخطّط لهذا الملجأ أن يكون مؤقتاً.
وليد (إسم مستعار) رجل وسيم، كان يعمل في مجال الزراعة في حلب، وكان مكتفياً، وقد غادرها منذ ثلاث سنوات هرباً من جحيم المعارك الدائرة، برفقة عائلته المكوّنة من زوجته وطفلتين (أنجبا الثالثة منذ أقل من سنة)، ليقبع في خيمة بلاستيكية قسّمها، بالرغم من صغر مساحتها، إلى غرفتين: مطبخ وبداخله مواد غذائية مجفّفة وبعض الأواني، وغاز صغير للطهي، وغرفة أخرى تستخدم للجلوس والنوم في آن معاً، ورغم الفقر المدقع المسيطر على الخيمة، إلا أنها نظيفة ومرتّبة. يجلس وليد على إحدى فرش النوم ويخبرنا عن معاناته:
"إعتقدنا أن وجودنا هنا لشهرين أو ثلاثة، لكنه مضت ثلاثة أعوام على حالتنا المزرية، والمشكلة الكبرى تكمن في إستحالة مغادرتنا المكان، لأننا لا نملك أوراقاً ثبوتية، والحكومة اللبنانية تفرض علينا رسوماً للتأشيرة لا يمكننا تأمينها".
لهذا السبب فإن وليد، مع العديد من مواطنيه الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية للإقامة، لا يمكنهم العمل، إذ لا يستطيعون الخروج من المخيم للعمل، خوفاً من إعتقالهم كما حصل مع وليد، الذي اوقف لدى خروجه للتفتيش على عمل يقتات منه مع عائلته، على نقطة تفتيش، ثم أودع السجن لمدّة شهر، ودفع لأحد المحامين مبلغاً لا طاقة له على تأمينه لإطلاقه.
والد وليد يعمل في سوق الخضار في طرابلس، لكن ما يحصل عليه غير كاف لتأمين معيشة العائلة، لذلك فمعظم الأسر، تضطر لإرسال الزوجات والأولاد للعمل خارجاً، إذ لا يمكن للأب الخروج خوفاً من الإعتقال، وذلك بحسب مسؤولة من المجلس النروجي للنازحين: "هنا تسود فرضية أن النساء والأولاد لا يُعتقلون بسهولة، وبدلاً من إرسال الأولاد إلى المدرسة للتعلّم، فإنهم يُرسلون للعمل لتأمين القوت اليومي".
باع كليته للهرب إلى أوروبا
من أجل ضمان حياة أفضل لأطفاله، يحلم وليد بالهرب إلى أوروبا، ومن أجل ذلك باع إحدى كليتيه للحصول على المال الذي سيدفعه للمهرّبين الذين سيحملونه مع زوجته وبناته الثلاث على متن قارب إلى تركيا ثم إلى اليونان. بناتي لا يملكن أية فرصة للذهاب إلى المدرسة ، فهنّ لا يمكنهنّ حتى كتابة أسمائهن بأنفسهنّ.
ينتظر وليد إنتهاء فصل الأمطار ،"لأن البحر يكون هائجاً، وإبنته غادة إبنة الثمانية أشهر، سترة النجاة أكبر من جسدها الصغير".
فصل الشتاء عبء ثقيل على النازحين لأن مياه الأمطار تغمر المخيّم، مع إنعدام وسائل التدفئة في خيم لا تحتمل العواصف وسرعة الرياح وإشتداد المطر، وكما أن الشتاء باردٌ وصعب على سكان المخيّم، كذلك فالصيف قاس وحار جداً.
هذا بعض من الواقع المرير الذي يعيشه سكان مخيّمات النزوح الذين يحلمون في كل حين، بالهجرة إلى أوروبا، وبالرغم من نجاح الآلاف من السوريين بالسفر الى أوروبا إلا أن عددهم لا يتعدّى نسبة 0،2 بالمئة من مجموع النازحين بحسب وليد. وعند سؤاله : ألا تخاف من الغرق والموت؟ يجيب بعزم وإصرار:
"حتى لو كنت سأموت في الطريق، فنحن بالتأكيد لن نبقى هنا، لقد خسرت بيتي ورزقي وأرضي ووطني، و.. بعت أعضائي... لن أخسر أكثر"..