هل حقاً هو عرس روي اليوم؟! هل علينا فعلاً أن نُصدّق أن هذا الشاب الذي كان للتوّ يتلّقى أطيب التمنيات في عيد ميلاده، هو عريس هذا النهار البائس؟ يا ترى، هل اختار روي ربطة العنق والمنديل الذي سيزيّن بهما بدلته، أم اكتفى بوردة بيضاء يضعها في الجيب أمام القلب؟ هل يرقص الآن جيداً، وهل يُصغي جيّداً إلى كلّ تلك الزغاريد والأغاني؟!
بالله عليكم، هل هو عرس روي اليوم؟! حسناً، دعكم من كلّ الجُمل المنمقة وتعابير المواساة. أوقفوا حلقات الدبكة وقرع الطبول. أسكتوا النسوة، فلا مكان بعد لـ"عريسنا شيخ الشباب". دعكم من كلّ هذا، فروي مات. روي قتل...أقيموا له مأتماً لائقاً، واهتفوا وانزفوا واصرخوا واغضبوا وانتحبوا ورّشوا على نعشه الورد من دون أرزّ. روي مات، روي قتل بدون رحمة، فاتركوا الملائكة في السماء تهتمّ بعرسه.
ألف روي قد ماتوا. قد قُتلوا. وألف روي ما اختاروا هذا المصير، وقد مللنا التسليم بأن "الموت قضاء وقدراً"، فاعذرونا.
ألا ترون أن الموت من حولنا كثيف؟ نصارعه، نقارعه، نواجهه بصدور عارية، وحيدين مُرتجفين، فننجو منه.. بالصدفة! وحين يطلع الفجر من جديد، نُجددّ المعركة، ونُسقط من جعبنا حصة من الأمل. ما عاد من مخزون يكفينا للصمود من أجل الوجود. ما عاد عندنا من مخزون أمل يُبقينا على قيد.. الإيمان والرجاء. الخيبات وأد للمشاعر. الغدر وقود البؤس. الظلم موعدٌ متجدد مع الجنون. الظلم عدوى ووباء.
مات روي، بل قُتل بدم بارد، مثل كثيرين ارتكبوا "جرم" البقاء في هذا الوطن، واقترفوا خطيئة الإيمان بهذه الدولة وبقوتها وعدالتها. ويموت روي وغيره، بل يُقتلون 128 مرّة يومياً، "برصاص" استنكار الزعماء والمسؤولين وأصحاب السعادة والمعالي. يا للفظاعة حين يندد أحد القابعين على كرسيّ المسؤولية والواجب بتفلّت السلاح وجبروت الرعاع! يا للوقاحة!
برّبكم، بماذا يُطالبون وإلى من يتوّجهون. بلغت "السكيزوفرينيا" في لبنان حدّاً لا يُطاق، بل يستوجب زجّ هذا اللبنان كلّه في مصحّ عقليّ.
عاقر هي دولتنا. لا ترتضي الاعتراف ولا مصارحة الناس بحالها. عاجزة هي عن الإشارة بإصبعها إلى أصل المشكلة، خائفة من كشف هويات المجرمين و"مُصنّعي" هؤلاء المجرمين. رهينة هي في أيادي قوى مُسلّحة. رهينة الطوائف والأحزاب والأثرياء وأصحاب النفوذ وتجّار المخدرات وغسل الأدمغة. فحقاً، لماذا ننتظر منها سترة نجاة؟
فماذا نفعل في خضمّ هذا التيه وفي حضرة هذا العجز؟ حسناً، نطالب أولادنا وأخوتنا بالرحيل. لا مكان هنا لطلبة العلم والأمان. لا مكان للأبرياء والمسالمين والحالمين في غاب الأشرار "الغرابيب". أو ربما نُقنع أنفسنا بضرورة التسلّح والأمن الذاتي، فنقرّب النهايات ونكتب ورقة نعي لبنان الوطن، لا لبنان الدولة. أو نطالب مثلاً بتعليق المشانق. يا لسذاجاتنا! هل حقاً نطالب بفرض الإعدام؟! يا لسفاهاتنا! دعوكم من كلّ الدراسات العالمية والتجارب التي تؤكد عدم فعالية الإعدام في الحدّ من الجرائم. دعوكم من حقوق الإنسان والاتفاقات الدولية . هل حقاً نطالب بتعليق المشانق؟ حسناً...إلى من نتوّجه؟!
موجع وصادم هذا السؤال، أليس كذلك؟! إذا كانت الجهة التي يُفترض بها أن تُعلّق حبال الموت أو تطلق الرصاصات عاجزة عن تطبيق أبسط القوانين، أو عن زجّ "الزعران" في أقبية مظلمة، أو عن تأمين حياة كريمة لمواطنيها وخلق فرص عمل لشبابها البائس حدّ الانزلاق إلى دروب الممنوعات والشرّ، وعاجزة عن إدارة شؤون البلاد، فهل لنا بعد أن نطالبها بتطبيق قانون الإعدام؟
ثمّ، ألا تعلمون أنه حتى لو قررت هذه الدولة الغائبة والمغيّبة تنفيذ عقوبات الإعدام، فعليها أن تنتظر مجرماً من طائفة ثانية، وفق مبدأ "المساواة"؟!
فماذا، بالله، نفعل؟
الآن الآن، لا شيء بتاتاً إلا ترتيب مأتم للمهندس روي. فلتتمزّق القلوب، ولتؤخذ له صورة أخيرة من حفل "تخرّجه" بشهادة "تميّز" كمواطن بريء أزهقت روحه على مذبح لبنان الكابوس، لا الحلم.