يخيل اليك عند الوصول اليه، أنك داخلٌ الى قصر "الأميرة النائمة" لكثرة الأعشاب الملتفّة حول المدخل، والتي تكاد تحجبُ رؤية الطريق الى سردابِ المبنى ما يسمّى بـ"قصر عدل بيروت".
اذا ما وصفت المبنى بالمُهترئ، فإنك حتماً لن تعطي ذلك "الشيء" وصفاً دقيقاً، لشدّة قِدَمِ مبناه وعتقه، وابتعاده كلّ البعد عن ما يجب أن يعكسه من رقيّ في القضاء لا سيما في بلد كلبنان...
هذا في الخارج، أما ما تراهُ في الداخل، فمدهشٌ تماماً!
أول مشهدٍ يستفزّك -إضافة الى المنظر الداخلي الرثّ- أحدُ الموقوفين بالـ"الكلبشات" ينادي على والدته "لتلحقه" بمسلتزمات الزنزانة، فيما يدفعه عنصرا قوى الأمن الى الداخل، حيث سيتم احتجازه بالنظارة.. وما أدراك ما جُرمه!
على يمينك تقرأ، "طوابع أميرية"..
مكانٌ.. هو عبارة عن "كشك" داخلي، فيه "مجلى وصنبور مياه، وغاز صغير ومنشفة وكل مستلزمات الحياة.."، وكأن ساكن هذا الكشك يحضّره كي يستقر به ويتزوج وينجب أطفالاً..!! في داخله بائع الطوابع المالية نائمٌ وهو غير متوفر في هذه الساعة لخدمتكم!
في طريقك الى الطابق الأول، تلمحُ بطرف عينك "فأرةً" صغيرة أضاعت طريقها، وهي تتخبط ركضاً لتصل الى ملاذها في آخر الرواق.. وتختفي!
وفي الطابق الأول، عجقة ناس ومراجعين ومحامين وموظفين..
هناك أيضاً، عنصرٌ أمني، يبدو عليه أنّه متمرّسٌ في العمل بهذا المكان، منذ نعومةِ دخوله الى السلك، واثقٌ من نفسه، يأمرُ فلان و"يتمسخر" على فلان، وينتقي "زبائنه" ممن يُقدِم على مساعدتهم من السيدات الأنيقات، فيعرضُ خدماته، ويسهمُ في تسريع وتيرة انجاز المعاملة، ويرحّب بضيفته –مثلاً- التي ما إن تكتب اسمها ورقم هاتفها ومكان سكنها على المعاملة حتى يسارع الى "فتح حديث" معها ومجاملتها، وإخبارها بأنّه قد رآها في وقت سابق!
وأمّا المفاجأة المدويّة، فهي في عاملة النظافة "سمية"، (وهو اسم مستعار).
"سمية"، تلبس زيّ عاملة النظافة، لكنها "الكلّ بالكلّ" في قصر العدل، تملأ استدعاءات، تعطي ارشادات للمراجعين، تسدي نصائح للموظفين، تناقشهم في نوع وعدد المستندات المطلوبة في أي شأن، تناقش بالقانون وكأنها "محامية مخضرمة" متخرجة من أهم جامعات لبنان في الحقوق، تدخل وتخرج من مكاتب الموظفين وأقلام المحكمة، بديناميكية عالية ونشاط مفرط وتحمل بيدها المستندات والطوابع المالية.. بكل ثقة!
دفعتني حشريتي الى سؤال أحد عناصر قوى الأمن عن "سمية"، فقال لي ما حرفيته: "الها 11 سنة بتشتغل هون، قلتلا مية مرّة هيدي مش شغلتك، لكنها ما بتردّ... يلّا حرام بتساعد هالموظفين!".
قصتي انتهت هنا، رغم أن هناك المزيد لأرويه عن مشاهداتي في قصر العدل في بيروت اليوم.
هي ليست قضية فسادٍ برسم الدولة ولا وزارة العدل، لأنه لا حياة لمن تنادي!. لأننا نعرف أن أحداً لن يستجيبَ الى نداءِ الإصلاح الذي نطلقه من أجل أن نبقى في هذا البلد، فقد عجزنا .. بل استسلمنا!
هو نداءٌ أكيد الى اللبنانيين جميعاً، الى المواطنين، الى الفقراء والاغنياء، العاملين والعاطلين، الرجال والنساء... نداء مفادُه بأن الفساد في هذا البلد وصلَ الى العظم، ولن نتمكن من استئصاله الّا من الجذور! نستأصله عبرَ انتخابات قادمة (ايّا كان شكل قانونها) "تقبعُ" كلّ من أوصَلنا الى هذا الحال من الاهتراء، وترميهم في أقبية الفساد المظلمة التي يجبروننا على العيش بها، تحت شعار "البلد ماشي هيك، شو فينا نعمل؟!".
أيها اللبنانيون، إن لم تقضوا عليهم في الانتخابات المقبلة، فقد قضي عليكم وعلى أولادكم وأحفادكم الى أبد الآبدين.. فحيّوا على الثورة!