هو الـ 21 من حزيران، اليوم الذي نحيي فيه كما في كلّ عام عيد الأب، هو يوم يمثّل عيداً، لكنّ الأب عيد في كلّ يوم، فهو الذي جاهد وناضل لأجل أولاده وعائلته وبيته، وهو الذي ضحّى بكلّ ما يملك ليهنأ أبناؤه بحياة كريمة، وليحقّقوا طموحاتهم وأحلامهم التي لولا فضل آبائهم لما تمكّنوا من تحقيقها، لكن ومهما يقدّم أي إنسان لوالده، فهو يبقى مقصّراً، أمام الكمّ الهائل من التضحيات التي قدّمها والده طيلة سنوات.
لكنّ هذا اليوم ليس عيداً لجميع الآباء، ولا لجميع الأبناء، فكم من أب يعيش اليوم وحيداً، لا من يسأل عنه ولا من يهتمّ به، وهو متروك لمصيره وقدره والذي يفضّل أن يرحل عن هذا العالم على أن يبقى يقاسي آلام قسوة أبنائه، أو قسوة القدر الذي أبعده عنهم لسبب أو لآخر. وكم من أبناء لا يذوقون طعم هذا العيد، بل هو بالنسبة إليهم يوم عزاء وحزن يذرفون فيه الدموع على حبيب قد رحل، وفارق الحياة إلى العالم الآخر، فلم يشعروا يوماً منذ الرحيل بطعم هذا العيد.
في هذا اليوم، وكما في كلّ عام يعبّر الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن مشاعرهم المختلطة لهذه المناسبة، فهناك من دأب على نشر صور والده ليشارك أصدقاءه هذه المناسبة، فيما هناك من تحضر في ذاكرته ذكرى والده الراحل، متألماً وفي قلبه غصّة فقدان سنده في الوقت الذي يرى فيه أصدقاءه يحتفلون مع آبائهم في هذا اليوم. فيما قام البعض بانتقاد من يحتفلون بآبائهم في الوقت الذي يفترض بهم مراعاة مشاعر الذين حُرموا منهم، ومنهم من عرف قيمة الأب أكثر بعدما صار هو أباً.
وروى الممثل زياد عيتاني قصّة من حياته كأب، استذكر فيها والده، وممّا قاله: "أبي كان يرفض حتى أن يكون مستوانا التعليمي أقلّ من غيرنا، كان يبذل جهداً مضاعفاً حتّى نبقى في ظروف معيشية جيدة. أذكر تماماً كلمة قالتها أختي خلال عزائه: "يا زياد لم نعرف ما معنى كلمة "آخر الشهر" حين قام بتربيتنا. لم يجب علينا عند أي مطلب لنا بـ"تركوها لأول الشهر". رغم أنّه موظّف في شركة الكهرباء". تذكرت حينها، أنّ الرجل الذي أفنى عمره الجميل لأجلنا ما إن تقاعد حتى أعياه المرض ونال منه. انتهى الدوام فتوجّهت مباشرة إليه وما إن فتح لي الباب حتى قبّلته وضممته إليّ. تعجّب أبي من فعلتي وهو الذي يلومني دائماً أنّني "قاسي القلب"، فأنا آخر من يتصل عند الأعياد وآخر من يقوم بالواجبات العائلية وحتى بالكاد أن أضم أو أقبّل أحد. قال لي مستغرباً: "يه! مش على عادتك"، أجبته ممازحاً باللهجة المصرية: "أهو الحبّ بقى يا كبير"، لكنّ الرجل صاحب الـ 68 من العمر كان مدركاً السبب، فابتسم وأجابني: عارف شو جابك، بس متأخر شي 20 سنة لتعرف.. 20 سنة بس! تعى كبسلي ضهري لأنّي موجوع ومسامح بالـ 20 سنة".
من جهتها، استذكرت راسيا سعادة والدها الذي رحل منذ سنوات، قائلةً: "عن أسوأ شعور في العالم أتحدث، أن تتصفح وسائل التواصل الإجتماعي كافة وترى معايدات متبادلة بمناسبة عيد الأب، وأنت عاجز أن تقول كلمة واحدة لأبيك أو حتّى قبلة أو حتى بسمة أو حتى نظرة أو حتى غمرة. المناسبة سـ"تقطع" وسأتجاوزها ولكن لا ولن أتجاوز فقدانك في كل المناسبات. أعلم أنّ كلماتي لن تصلك يا أبي أو ربما ستصلك في مكانٍ ما. وأعرف أنّك بعيد، ولا أعلم كيف حالك ولكن فوق كلّ أحلامي حلم واحد هو: أنت يا أبي ويا كلّ أعيادي التي لن تأتِ".
وتحدّثت جودي المصري عن "الأب الشهيد" قائلة: "في عيد الأب هذا، سأتوّجه إليكم أيّها الشهداء الآباء والأمهات الثكالى. فعن الآباء أولاً أنّهم يتّموا أولادهم لنحيا مع آبائنا، لنرى خلايا وجوههم التي تتصبّب عرقاً من أجلنا، أما ثانياً فسلام لتلك الأم التي لعبت دور الأب الحنون والقوي في الوقت عينه وحافظت على الخطى التي أوصى بها زوجها قبل استشهاده، أنتِ أبٌ أيضاً".
وكتب شربل الخوري: "بغيابك يا بيّي اليوم.. عم احتفل بعيدك.. مشتاق شوفك قبل النوم.. ومشتاق للمسة إيدك.. بالسما بيتك الجديد.. إن شالله بتتهنّى بالربّ.. أنا واثق وعالأكيد.. كلنا رح نمشي بهالدرب.. أنت عنّي كتير بعيد.. مع مين بعيِّد عيد الأب؟".
وكتبت نورة غرابي: "أبي.. وإنّي في عيدك وشوقي إليك.. أرتّل الحب دعاء وسلاماً وقبلة، رحمك الله يا قطعة من قلبي".
وكتب جورج: "من وحي عيد الأب: أنا وزغير كنت صلّي حتى الله يوفّق بيِّي، ولما كبرت صاروا ولادي يصلّوا حتى الله يوفّق بيُّن".