كتب جورج عبيد في صحيفة "الديار": "لماذا وزير الخارجيّة ورئيس التيار الوطنيّ الحرّ جبران باسيل متّهم دائماً بأنّه قد انقلب على وثيقة الوفاق الوطنيّ وليس سواه هو المتّهم؟ سؤال تطرحه أوساط عونيّة قريبة منه وأوساط بعيدة عنه، لم يدفعها البعد عن الشهادة للحقّ.
ما هو الحقّ عند هؤلاء؟ الحقّ أنّ جبران باسيل القياديّ الوحيد، الذي كان عمّه رئيس جمهوريّة لبنان حالياً المتهم بالانقلاب عليه حينما كان في قصر بعبدا ما بين 1988 و1990، قد تبنّاه مع عمّه في معركة الانتخابات الرئاسيّة واستمرّ على المنوال عينه في معركة الانتخابات النيابيّة. فحوى التبنّي الفلسفةُ الميثاقيّةُ، وأفصح تعبير عنها جاء في الدستور اللبنانيّ بدءاً من مقدّمته القائلة لا شرعية لسلطة تناقض الميثاق العيش المشترك، وصولاً إلى المادة 24 حيث ترّسخ التعبير بصورة فصيحة وواضحة، وفي المادة 95 بالتذكير بها، إذ المجلس الموزّع على أساسها يتجه نحو تأليف الهيئة الوطنيّة لإلغاء الطائفيّة السياسيّة.
يميّز باسيل في رؤيته وخلال معركته، كما ميّز رئيس الجمهوريّة بين طائف وآخر. فالطائف الأساسيّ هو الوثيقة التي تحوّلت إلى دستور للبنان، وبه تمّت صياغة النظام السياسيّ اللبنانيّ، فيما الطائف الآخر هو الحالة التسوويّة والأخرويّة أي الأميركية-السوريّة-السعوديّة التي أمسكت بلبنان، وافرزت طبقة سياسيّة حارسة لمصالحها على حساب النص الدستوريّ، فتم الانقلاب عليه وعلى نصّه، وأخرجت لبنان من حقيقته وجوهره وألقت به في جحيم عبثيّ بفعل تحويله إلى مزرعة يتقاسمها من أفرزتهم تلك الحالة على حساب الناس من جهة وعلى حساب التكوين الميثاقيّ للبنان ممّا جعله شديد الاختلال مشرفًا على خطورة هائلة، وقد قاربها بالعمق حينما تمّت التبدلات منذ سنة 2003 حتى تاريخ انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهوريّة، فانكسر الإمساك الثلاثيّ بعد خروج سوريا من لبنان ودخوله مرحلة «الفوض الخلاّقة» لتعمّ المنطقة بأسرها مروراً بالعراق وصولاً إلى سوريا.
فمن عرف باسيل خلال لقاء بيت عنيا واللقاء المسيحيّ المشرقيّ أدرك تصميمه على إعادة الحالة الميثاقيّة بجوهرها السليم في النصّ الدستوريّ وليس في النفس المستمرّ منذ ذلك الزمن، القابض على السلطة استمدادًا لذلك الزمن، وقد أظهر مصدر مسيحيّ بأن الحقبة السوريّة لم تسىء البتّة إلى المكوّن المسيحيّ كما أساء بعض الأفرقاء اللبنانيين إليه، فرضّضوه وهشّموه ومن ثمّ همّشوه حتى ألقوا به على قارعة الطريق وجعلوه مكوّنا خاويًا وفارغًا. والحالة الميثاقية عنده لا تستقيم إلاّ بالترابط المسيحيّ-الإسلاميّ المؤسس للبنان، القائم على التوازن والإزائيّة وليس فيه شيء من الإذابة والتذويب من العزل والتعزيل، أو من الانعزال. وهذا عينًا ما دفع التيار الوطنيّ الحرّ يتبنّى مشروع اللقاء الأرثوذكسيّ، استمدادًا للدستور اللبنانيّ وبالتحديد في هدفيّته للمادة 24 منه، ولمّا سقط المشروع كان هذا القانون الحاليّ ثمرة من ثمرات توجهاته إلى جانب الرئيس وحزب الله والقوات اللبنانيّة والرئيسين نبيه بري وسعد الحريري. الحالة الميثاقيّة لازمت جبران باسيل كسياق عقيديّ أي اكثر من سياسيّ خلال معركة الرئاسة وخلال معركة القانون وصولاً إلى معركة الانتخابات النيابيّة. وتزعم أوساط في التيار الوطني الحرّ بأنّ من انقلب على الدستور وعلى وثيقة الوفاق الوطنيّ هم من حاولوا منع وصول العماد ميشال عون إلى الرئاسة وهم عينهم من أسقطوا معركة المناصفة الفعليّة المتزاوجة مع النسبيّة والقائمة في مشروع اللقاء الأرثوذكسيّ، وحاولوا إحياء قانون الستين ولو معدّلاً.
على هذا تصف مصادر سياسيّة وثيقة بعبدا إحياء للحقيقة الدستورية المفقودة، وتوق أبرزه الرئيس في سبيل انطلاقة العهد صلباً ومتيناً ليس في المرحلة المتجهة بلبنان نحو الانتخابات في أيار 2018 بل للمراحل الباقية. تتميّز تلك الوثيقة عن سابقاتها بظروفها وموقعها وموقع العهد منها على وجه التحديد. فهي ترسّخ وكما قالت تلك المصادر شبكة أمان وتؤكّد مبدأ الاستقرار وتفعّله على المستويات كافّة. فمن حيث الظرف، تجيء تلك الوثيقة استمدادًا لنمط يترسّب ويتسرّب نحو المنطقة مكوّناً من مناخ حاسم على مستوى سوريا، والحسم في سوريا يستمدّ رسوخه وتكوّنه من الاستقرار اللبنانيّ عيناً، وبراي تلك المصادر الوثيقة الحالية بمناخها المهيمن سيّما بعد النقاش الصاخب في مرحلة ما قبل إقرار القانون لها وظيفتها بطبيعتها المرنة والمنفتحة على الآفاق والمقوّمة لكلّ إعوجاج داخليّ، وتشي المصادر بأنّلا الوثيقة ليست توقًا بل آيلة نحو التجسيد الفعليّ بتصميم رئاسيّ والتزام سياسيّ أبرزه رؤوساء الحزاب المشاركون بها".