ورد في صحيفة "الجمهورية": تعوم منطقة الضنّية على أكبرِ مخزونِ ماءٍ في الشرق الأوسط وهو علامةٌ فارِقة تُضاف إلى جمال طبيعتها. غير أنّ العمرانَ العشوائي الناجم من التضخّمِ السكّاني ناهيك عن انعدامِ شبكة الصرف الصحّي في غالبية مناطقها، حوّل المياهَ العذبة إلى آسنة وحتى مسرطِنة. ليس بإمكاننا التجوال في القرى الـ33 التي تتألف منها الضنية، غير أننا استقصينا عنها وقمنا بحولة موسّعة في بلدة ديرنبوح التي تشهد اكتظاظاً سكانياً وهجمةً عمرانية لا مثيل لها. فمآسي الأهالي في هذه البلدة تنسحب على معظم قرى الضنية.
تتألف ديرنبوح من 350 وحدة سكنية تقريباً نصفها لا توجد فيها شبكة صرف صحّي ما دفع السكان الى استجرار المياه الآسنة إلى سفوح التلال أو إقامة جوَر صحّية لتتسرّب المياه القذرة وتختلط بالينابيع وبالمياه الجوفية.
وتكمن المعضلة الأساسية في أنّ مياه الشفة لا تصل الى غالبية المنازل في ديرنبوح لعدم وجود شبكة هناك. ما دفع البلدية إلى إقامة خزانات عمومية. غير أنّ التقنين الذي ترزح تحت وطأته منطقة الضنية وعدم وجود مولدات للاشتراك يحول دون تأمين المياه للسكان الذين يعانون الظمأ خصوصاً في فصل الصيف. ويعتبر مختار البلدة محمد هرموش أنّ "أزمة تلوّث المياه بالضنية في فترة تصاعدية لا سيما أنّ "الكثير من مناطقنا لا مياه فيها".
ويقول لـ"الجمهورية": "من هنا علينا كأبناء الضنية أن نولي الثروة المائية اهتماماً خاصاً لأنها باتت عنواناً إرتبط بإسم المنطقة.. علينا أن نحسنَ إستغلالها ونبعد منها مختلف مصادر التلوّث، إنطلاقاً من تزايد الحاجة إليها باعتبارها الشريانَ الحيوي لمنطقتنا".
كل البشائر تدلّ على أنّ التربة في ديرنبوح مسمومة ويعود ذلك إلى المبيدات الممنوعة عالمياً التي تُستخدم في الزراعة على نحوٍ واسع. فبقايا هذه المبيدات تتسرّب مع مياه الأمطار إلى باطن الأرض ما يلوّث المياه الجوفية حيث تؤدي نسبة "النيترات" العالية في المياه والمزروعات إلى السرطان وإلى خلل في دم الإنسان.
بدوره، يعمل رئيس اتحاد بلديات الضنية ورئيس بلدية ديرنبوح محمد سعدية من دون كلل أو ملل منذ عشرات السنوات لتظهير الضنية بأبهى حللها. وهو العالِمُ علمَ اليقين أنّ جهوده وحدها لا تكفي في ظلّ تعامي أصحاب القرار عن القيام بواجباتهم تجاه الضنية بشراً وحجراً.
ويشير سعدية لـ"الجمهورية" الى "أننا قمنا بطلب إنشاء اتّحادٍ للبلديات عام 1998 وجاءت الموافقة عليه عام 2004 بعد جهدٍ مرير. ومنذ ذاك الحين كان هدفنا الولوج إلى إدارة رشيدة للمياه والمحافظة على الجوفية منها.
وأقمنا للغاية بمساعدة بعض الجهات المانحة سدَّ بريسا الذي يتغذّى من نهر موسى لتغذية كلٍّ من كفرببنين، السفيرة، بيت الفأس، عين التينة، بطرماز، حرف السياد، عزقي، كفرشلان، مراح السراج وكفرحبو. غير أنّ الخطة غير المدروسة التي افتقدت للمعايير والمهنية حوّلت السدّ إلى حائط مبكى إثر تسرّب المياه بداخله إلى جوف الأرض".
أما في ما يتعلق بالمجارير فإنّ سعدية يعتبر الضنية، المنطقة شبه الوحيدة في لبنان التي تفتقر لشبكة صرف صحّي، و"لو كان باستطاعة المتعهّدين الاستفادة من المشروع بملايين الدولارات لكانوا نفّذوه منذ عشرات السنين".
كذلك يدق سعدية ناقوسَ الخطر، محذِّراً من مغبّة التراخي بمعالجة التلوّث المحدِق بنبع رشعين، فـ"المياه الآسنة في ديرنبوح وكفرحبو تصبّ في وادي الدلب حيث مصدر النبع".
يبقى أنّ التلوّثَ يضرب أطنابه في الضنية التي تحوي ما يزيد عن 300 نبع ماء... فهل مَن يتحرّك ويُعيد الضنية إلى الخريطة السياحية والإنمائية للحفاظ على ما تبقّى من بشر فيها؟
(سيزار معوض - الجمهورية)