بحزن وألم كبيرين، استفاقت مدينة طرابلس صباح اليوم على خبر أدمى قلوب أبنائها، كما كلّ المناضلين والعروبيين، وهو نبأ رحيل المناضل ابن طرابلس النائب السّابق الدكتور عبد المجيد الرافعي رئيس حزب "طليعة لبنان العربي الاشتراكي". هو "الطيّب"، "طبيب الفقراء"، "المناضل"، "المجاهد"، "العنيد بالحقّ" و"القبضاي" كلّها ألقاب وصفات لم يطلقها الرافعي على نفسه بل فرضها النّاس عليه لأنّه كان يستحّقها بجدارة. هو ابن طرابلس الذي أحبّ مدينته وناضل لأجلها كما نضاله في سبيل العروبة والقضيّة، حاملاً معه مبادءه حتى النفس الأخير، تاركاً طرابلس – أمّ الفقير - وحيدة مكسورة الظّهر بعد رحيل والدها الروحي الذي جاهد لأجلها حتّى الموت.
الكلمات بحقّ قامة كعبد المجيد الرافعي تبقى قليلة عليه، ولن توفيه ولو جزءاً بسيطاً من حقّه، وقد انهالت التّعليقات والمنشورات التي نعت الرافعي والذي استذكرت صفاته وأخلاقه ومواقفه الوطنية والعروبية وتاريخه النضالي الذي سيبقى راسخاً في أذهان الطرابلسيين خاصة واللبنانيين بشكل عام.
الوزير السابق فيصل كرامي نعى الراحل عبر صفحته الخاصة على "فيسبوك"، إذ اعتبر أنّ "غياب الدكتور عبد المجيد الطيب الرافعي هو انطفاء حزين لزمن ينتهي طاوياً معه صفحات مضيئة من النضالات والخيبات في وطن عربي تحوّل إلى معسكرات دمار وجنون ومراكز إيواء ومخيمات لاجئين". مضيفاً: "فقدت طرابلس مع الرافعي قامة باسقة في العمل النضالي، وهو الرجل الذي التصق بنبض الشارع وهموم الناس ووجدان المدينة. وفقد لبنان أحد أنبل المدافعين عن هويته العربية وهو الذي خاض المعترك السياسي دون أن تلوّثه مغريات الزمن الضحل، فبقي حتى الرمق الأخير نظيف الكفّ واللسان والضمير".
وختم: "إنّنا نوّدع عبد المجيد الطيب الرافعي بإيمان راسخ بأنّ الرجال يرحلون لكن قضايا الحق التي آمنوا بها تبقى وتمكث في الأرض".
كما نعى رئيس "لقاء الإعتدال المدني" النائب السابق مصباح الأحدب الراحل، قائلاً: "افتقد أهل طرابلس اليوم أحد أعظم قامات العروبة في المدينة، رجل التضحيات المميزة وطبيب الفقراء والمساكين. رحل الرافعي، وترك ذكره الطيّب على لسان أهل طرابلس، الذين لطالما عرفوه بالمواقف الوطنية والإنسانية، كما عرفوه بالشجاعة والتواضع والأخلاق النبيلة".
وبكلمات مؤثّرة، نعى الأستاذ محمّد الجسر عبر حسابه على "فيسبوك" الراحل، قائلاً: "مع رحيل عبد المجيد الرافعي، تدفن طرابلس، إلى غير رجعة، زمن النضال. الدكتور الطيّب، أو عبد المجيد "حاف"، ما اقتحم القلوب إلا لأنّه كان صادقاً في محبة الناس وفي عشقه لطرابلس. هو الطرابلسي "القبضاي" الذي لم يعرف الخوف أو الوهن إلى فؤاده سبيلاً. ولكنّه "قبضاي" إرتدى حلّة العلم وتقدم الصفوف بالفكر. حلو العطاء عطاؤه، لا منّةٌ ولا أذى، ولا جزاء يبتغى ولا شكور يرتجى، بل تواضع واهتمام وبسمة لا تفارق الشفاه. جيل عبد المجيد بكّاءٌ اليوم للزمن الجميل، زمن "الخشب المسنّدة" و"يللي بالقلب بالقلب"، زمن النقاوة والصدق والإلتزام، زمن العضّ على المبادىء ومقارعة الجبابرة بالفقر. "لن ننجح، ولكن لن أكسر ضهرك يا بن الخال، وسنخوض الإنتخابات سوية لنقول للناس أنّنا ما زلنا صامدين". هذه العبارة التي طوّقتني بها وأنت تخبرني قبولك خوض إنتخابات 2005 بعد رفض جازم وحازم سبق، لن أنساها ما حييت. فهي تلخص شخصيتك الفريدة: نضال حتّى النفس الأخير، وعناد بالحقّ، ورفض للخضوع، وتضحية بالذات في سبيل المجموع. من أين نأتي برجل سياسة لا يكذب قط، ولا يداهن، ولا يستفيد ولا يرتشي، ولا يخضع ولا يهاب، ولا يتراجع ولا ينهزم أمام أشد الأعاصير، بعد رحيل عبد المجيد؟".
الإعلامية في قناة "المستقبل" بولا يعقوبيان نعت الراحل عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي وقالت: "سجّل اليوم رحيل رجل عروبة متنور منفتح عبد المجيد الرافعي يأخذ معه حقبة الأمل العربي بالارتقاء والوحدة. المعسكر المنظّر لفضائل الديكتاتورية لن يحزن على ذاك الحكيم ومعسكر الحكم الديني يتمدّد في أرضه. كان الرافعي حتّى آخر أيامه يستقبل الناس ويحدثهم بمبادىء لا تُثمن ولا تباع. عرفته في بغداد مع أصدقاء من مدرسة طرابلس الوطنية مثل زياد المنلا وأحمد وسامر كبارة ومصباح الأحدب. استمعنا إلى الحكيم الذي طبّب الآلاف قبل نيابته وأثناءها كنت وحيدة غير طرابلسية استمع إلى شغف الرجل المبعد المسكون بهوية مدينته الأولى. الرافعي رحل بعدما رأت عيناه ما لم يكن يتخيّل، سقوط الغليان الفكري في لبنان وصعود السعار الطائفي الذي كان يكره. الرافعي يترك الدنيا ونصف بلاده خرابا، استقال اليوم من عبء التوعية ووعظ أكثريات أدمنت العصبية وتخدرت. لا رثاء يليق بك فحتّى الاوطان هزل بها الرثاء".
الإعلامية والناشطة ناريمان الشمعة قالت في رثاء الرافعي: "فقدت طرابلس اليوم أحد أهم رجالاتها الشرفاء، ورمزاً كبيراً من رموز النضال الوطني والعروبي الدكتور عبد المجيد الرافعي".
الإعلامية والناشطة جودي الأسمر استذكرت أحد لقاءاتها مع الراحل، قائلةً: "لا أنعي الطيّب عبد المجيد الرافعي فالكثيرون يعرفونه أفضل منّي. أسترجع اليوم موقفاً واحداً جمعني به وأثّر بي. في شتاء 2011 كنت في بداية عملي الصحافي حين استقبلني لأجري معه مقابلة حول "الاستقلال". طبعاً الدخول في الحوار معه ليس كالخروج منه. ولكن المهم أنّه اتصل لينقّح تفاصيل تاريخية أرادها أكثر دقة. تأخّرت في إرسال الأوراق. حدّثني مرّة أخرى بنبرة عاتبة لا تخلو من اللياقة قائلاً إنّه ما كان يجدر بي التأخر لأنّ الحاجب (حارس بيته) ينتظر في الخارج بالبرد. الرحمة لقلبه".