على رغم كثرة المشاكل، التي تبقى حتى إشعار آخر من دون حلّ، تبرز مشكلة، هي وفق عامة الناس "أمّ المشاكل"، وهي باتت على كل شفة ولسان وحديث الصالونات وحديث البلد وكلام الناس. إنها مشكلة أزمة السير، التي باتت تحتاج إلى أكثر من حل عادي وإجراءات روتينية لا تقدّم ولا تؤّخر، بل تزيد على تعقيداتها تعقيدات إضافية، تدفع الناس إلى حافة اليأس ونبذ كل من لا يزال يدّعي بأنه مسؤول، على أي مستوى كان.
فهل تتخيلون مثلًا أن "رحلة" من بيروت إلى جونيه، وهي مسافة قصيرة جدًّا قياسًا إلى المسافات الطويلة بين أي مدينة وأخرى في دول العالم، تحتاج إلى ذات الوقت الذي تستغرقه رحلة جوية بين عاصمة لبنان إلى أي دولة عربية أو أوروبية، مع ما يرافقها من حرق للإعصاب وذلّ ما بعده ذلّ، وإستهلاك للطاقة البشرية وللطاقة الوقودية، ناهيك عن الكمية الهائلة من التلوث الناتج عن هذه الزحمة، من دون أن ننسى بالطبع كثرة قلّة الأخلاق.
ولأن إستيراد السيارات في تزايد مضطرد، ولأن الطرقات وبالأخص المسماة أوتوسترادات مصممة لإستيعاب محدود لهذا الكمّ الهائل من السيارات، نرى السلطات المعنية بالأزمة المرورية عاجزة عن إبتكار حلول بديلة، في ظل غياب التخطيط أو ما كان يُعرف بوزارة التصميم، وكان آخر وزرائها النائب موريس الجميل، الذي كانت له نظرة مستقبلية، وفي ظل إنعدام خطط واقعية تتخطى مسألة التوافق، كما هي الحال بالنسبة إلى الحلول الإخرى لمشاكل أخرى تتطلب التوافق السياسي في ظل الواقع الطائفي الذي تعيشه البلاد، والذي يجعل من لبنان دولة من العالم الخامس وليس فقط من العالم الثالث.
فهل يُعقل ألا يكون لدينا نقل مشترك منظّم يربط شوارع العاصمة بعضها ببعض، ويربطها بباقي المناطق، علمًا أن مساحة لبنان هي أصغر من أي مدينة عالمية، وهي منتظمة بشبكة مواصلات حديثة فوق وتحت الأرض، مع العلم أن لبنان يكاد يكون البلد الوحيد الذي لا يوجد فيه "مترو"، وهو يبدو الحل الوحيد لهذه الأزمة المستعصية.
فمتى تنتهي رحلات العذاب هذه في بلد تكثر فيه المشاكل وتكاد الحلول لها أن تكون معدومة لألف سبب وسبب، وأهمها أن أي مشروع لا يمشي إلاّ إذا كان له مردود "حرزان" لجيوب هذا المسؤول أو ذاك المتعهد، الذي يقف وراءه وزير أو نائب أو متنفّذ؟
الحلول موجودة، ولكن ما ليس موجودًا هو الإرادة والمصلحة العامة وعدم التفكير بما يمكن أن يدّره أي مشروع من أرباح تضاعف أرصدة البنوك وتزيد من الهوّة الفاصلة بين أقلية وبين أكثرية أصبحت تحت خطّ الفقر.
قلة هم الأشخاص الذين تولوا مسؤولية عامة وتخّلوا عن إدارة أعمالهم الخاصة، وقد تكون الأمثلة قليلة، ومن بينها على سبيل الحصر لا المثال، عزوف الرئيس نجيب ميقاتي عن خوض غمار الإنتخابات النيابية يوم كان رئيسًا للحكومة، أو عندما أوقف الوزير السابق ابراهيم نجار العمل في مكتبه الحقوقي في لبنان يوم كان وزيرًا للعدل.
الحلول لإمّ الأزمات موجودة، ويكفي أن يؤخذ برأي الخبراء، ولكن الإرادات معطّلة. وما دامت الحال باقية على ما هي عليه فسيبقى السفر من بيروت إلى جونيه أو إلى منطقة خارج إطار العاصمة الإدارية، أو حتى من ضمن حدودها الجغرافية، رحلة محفوفة بكل أنواع العذابات... ولا من يسأل!