مرة جديدة، تُثبت المقاومة أنها حامية البلاد، ومحرّرة الأرض. من تحرير العام 2000، إلى منع الاحتلال و«فتح كوّة في جدار الردع الإسرائيلي» عام 2006، وصولاً إلى منع المنظمات الإرهابية من السيطرة على الحدود اللبنانية السورية بدءاً من العام 2012، وأخيراً، تحرير جرود عرسال المحتلة.
في غياب الدولة، وعجز السلطة السياسية عن اتخاذ قرار لحماية السيادة، ليس من حامٍ للبلاد سوى المقاومة، بدماء أبنائها، وبخبرتها المتراكمة منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذه الوقائع لم تعد قناعة عند فئة صغيرة من اللبنانيين، ولا هي حكر على جمهور المقاومة وحده. ثمة تضامن واسع، عابر للقوى السياسية وللاصطفافات الطائفية، يعبّر عن نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مواقف سياسيين وفنانين وناشطين ومثقفين ووسائل إعلام لا تكن الود للمقاومة ولا لمشروعها، يؤيدون بوضوح عملية تحرير الجرود. القوى المعادية للمقاومة بدت معزولة، فرفعت أمس صوتها، لكن بلا طائل. حتى تيار المستقبل وجد نفسه محرجاً، فهرب من اتخاذ موقف، نحو إطلاق المواقف المؤيدة للجيش، والحديث عن «لا جدوى المعركة»، والاكتفاء بـ«التنقير» عليها، او محاولة شد عصب الجمهور وتوجيهه، على وسائل التواصل الاجتماعي، نحو تمني أن تطول المعركة ليخسر المتقاتلون جميعاً!
ثلاثة أيام مضت على انطلاق معركة تحرير جرود عرسال من احتلال «جبهة النصرة» الإرهابية. أيامٌ قليلة كانت كافية حتّى يُحقق رجال المقاومة تقدّماً أسرع ممّا كان مُخططاً له. لا يُعدّ الأمر مفاجأة، مقارنةً بخبرات المقاومين القتالية التي تعود إلى سنوات بعيدة، ومقارعتهم للإرهابيين في سوريا منذ 2011. ولكن، هناك عوامل عدّة كانت تشي بأنّ معركة جرود عرسال قد تكون أكثر صعوبة مما ظهرت عليه. الجغرافيا التي تدور عليها العمليات صعبة، وشديدة الوعورة. الجزء الأكبر منها يرتفع أكثر من 2000 متر عن سطح البحر، وفيها الكثير من الوديان والتلال والهضاب والمغاور والكهوف. طبيعة هذه المنطقة تلعب دوراً إيجابياً لمصلحة المدافعين، إذ يمكنهم استغلال تضاريسها الطبيعية ليكمنوا للمقاومين، مستخدمين الصواريخ الموجهة، المضادة للدروع، التي يملكون أعداداً كبيرة منها، ويوقعوا أكبر عدد ممكن من الخسائر في صفوف المهاجمين.