كتب غسان ريفي في "سفير الشمال": يكبر الشعور الأرثوذكسي بالغبن والتهميش على الصعد السياسية والإدارية والدبلوماسية، وما كان يدور في الجلسات الأرثوذكسية المغلقة سياسياً عبر بعض قيادات الطائفة، أو دينياً من خلال المجمع الإنطاكي المقدّس الذي ناقش هذه الأزمة مع بعض هذه القيادات في اجتماعه الأخير الذي عقد في دير سيدة البلمند، أصبح اليوم علنياً بعدما خرج نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري عن صمته، وآثر أرثوذكسيته على كلّ تحالفاته وعلاقاته السياسية حتّى مع صديقه الرئيس سعد الحريري الذي يبدي مكاري عتباً كبيراً عليه كونه لم يسع إلى إنصاف الطائفة الأرثوذكسية.
وكانت التشكيلات الدبلوماسية الأخيرة التي وضعها وزير الخارجية جبران باسيل وأقرّتها الحكومة الحريرية بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير أرثوذكسياً، خصوصاً بعد إستبدال منصب الطائفة على رأس سفارة لبنان في واشنطن بسفير في كندا.
وما ضاعف من الشعور بالغبن، هو التهديدات التي تلقاها وزراء أرثوذكس في الحكومة من رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية جبران باسيل بإمكانية أن يشملهم تعديل وزاري، ما يشير إلى غياب أي دور لهذه الطائفة أو كنيستها في تسمية وزرائها أو حتّى موظفيها في الفئتين الأولى والثانية الذين تشير معلومات إلى أنّ بعض الذين بلغوا سنّ التقاعد منهم جرى إستبدالهم بموظفين مسيحيين من مذاهب أخرى إمّا بالأصالة أو بالتكليف، فيما المراكز أو الوظائف الهامة التي تمنح للأرثوذكس تكون للمنتمين سياسياً، كما هو حاصل في الحكومة اليوم، حيث أنّ الوزراء الأرثوذكس الأربعة ينتمي ثلاثة منهم إلى "التيار الوطني الحرّ"، وواحد إلى "القوات اللبنانية".
تشير المعلومات إلى أنّ الإحصاءات الأخيرة التي وصلت إلى بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي، أظهرت حجم الوظائف التي خسرها الأرثوذكس في السنوات الأخيرة الماضية، الأمر الذي ضاعف من حجم الضغط على الكنيسة ورأسها الذي يشير في مجالسه الخاصة إلى أنّ السلطة اللبنانية لا تتعامل مع الأرثوذكس كشريك أساسي في الوطن، وهي لا تستفيد من الكفاءات التي تختزنها هذه الطائفة على كل صعيد، ما يدفع هذه الكفاءات إلى إعتماد الهجرة خيارا لها، بدل أن تسعى الدولة الى الحد من هذه الهجرة التي تتنامى يوماً بعد يوم.
تشير مصادر مطلعة على الجلسات التي عقدت للبحث في هذه القضية التي بدأت تتحول إلى أزمة حضور أرثوذكسي في الدولة اللبنانية، إلى أنّ الأرثوذكس يشعرون أنّ الثنائية المسيحية المارونية تمعن في حرمانهم من حقوقهم، فإما أن يكون الأرثوذكسي منتمياً سياسياً لكي يأخذ فرصته على أن يعمل تحت الوصاية المارونية، أو أن يُحرم من حقّه في الوصول إلى مواقع القرار وإن كان ذو كفاءة، في وقت لا يحرّك فيه الرئيس سعد الحريري ساكناً حيال ما يحصل، تاركا الأمر إلى حليفه المستجدّ الوزير جبران باسيل، وإلى رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع اللّذين يضع كلّ منهما إستراتيجيته للوصول مستقبلاً إلى رئاسة الجمهورية التي تتطلب بالدرجة الأولى رضى مارونياً.
لذلك فقد أشار نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري إلى أنّه "لم يكن يتوقع من الوزراء الأرثوذكس في الحكومة المبادرة إلى الدفاع عن مواقع الطائفة، لأنّهم لا يمثلون الطائفة في حد ذاتها بل يتبعون توجهات الأحزاب التي يمثلونها، ويعرف الجميع أن بعضهم مهدد بالإقالة".
وكان مكاري أخذ على عاتقه طرح "المظلومية الأرثوذكسية" عبر بيان لم يوفّر فيه أحد من الانتقاد حتى صديقه سعد الحريري فأبدى "عتباً عليه لانتقاص حكومته من حقوق الطائفة الأرثوذكسية، بدلاً من أن يبادر إلى تصحيح الإجحاف اللاحق بها أصلاً في مختلف إدارات الدولة"، لافتاً الانتباه إلى أنّنا "عندما أعطينا الثقة للحكومة، فعلنا ذلك فقط من منطلق ثقتنا بالرئيس الحريري، لكن ثقتنا خابت بقبول الرئيس الحريري بهذا الإجحاف للأرثوذكس"، معتبراً أنّ "التعيينات الدبلوماسية الأخيرة أمعنت في تهميش الدور الأرثوذكسي في الدولة"، في إشارة إلى نقل السفير الأرثوذكسي من واشنطن الى كندا.
وأمس تحولت المواجهة أرثوذكسية ـ أرثوذكسية بين مكاري والوزير السابق إلياس بوصعب المنتمي إلى "التيار الوطني الحر"، والذي ألمح في حديث صحافي إلى أنّ "المطالبة بحقوق الأرثوذكس هدفها إنتخابي"، غامزاً من قناة مكاري الذي سارع الى الرد عليه، مكرّراً أنّه "ليس مرشحاً للانتخابات وليس معنياً بالانتخابات المقبلة إلا كناخب، هذا إذا كنت موجوداً في لبنان وقت الإنتخابات".
وخلص مكاري إلى القول: "كنّا نأمل من العهد الآتي باسم استعادة حقوق المسيحيين تصحيح الخلل الحاصل بحقّ طائفتنا، لا أن تكون استعادة حقوق المسيحيين بأخذ المناصب المهمة من الأرثوذكس وإسنادها إلى طوائف آخرى".
(غسان ريفي - سفير الشمال)