كتب رئيس التجمع الوطني للامركزية ونشر الديمقراطية الدكتور المهندس زكريا حمودان: الصحة، حاجة وطنية لا خيار. مع إقتراب العرس الوطني للإنتخابات النيابية، أبحث بين السطور دائمًا عن ماهية المؤثرات على صوت المواطن المتعطش للتغيير!
لا أرى أفقا واسعا في الرؤة السياسية عند جزء كبير من الأطراف، إلا أنني بحثت في البنية الإجتماعية للمواطن اللبناني، بالإضافة إلى معرفة لا بأس بها عن خدمات بعض القوى السياسية التي تتطابق حُكمًا مع ما لم تستطع الدولة تأمينه للمواطن اللبناني، التعليم والصحة!
في هذا المقال سأتناول الملف الصحي، وسأذكر عددًا من المعلومات التي لفتتني خلال تصفحي لكتاب رئيس المجلس الإقتصادي والإجتماعي الأستاذ روجيه نسناس (بعنوان "نهوض لبنان نحو دولة الإنماء").
من المعروف أن الواقع الصحي في لبنان يقبع تحت واقع الصناديق المتعددة، وغياب التغطية الشاملة أو النسبية لجميع المواطنين. يستفيد من التغطيات الصحية في لبنان قرابة الـ50% من الشعب اللبناني، بالتالي هناك 50% يعتمدون على وزارة الصحة التي تقفل صناديقها وتفتحهم أغلب الأحيان عبر إتصال رجل سياسي أو صاحب شأن أو صاحب سُلطة. ومن الملفت ضمن الأرقام التي لفتتني هو رقم الـ14% فقط من إجمالي الإنفاق على الصحة هو من حصة وزارة الصحة، مما يعني أنَّ قرابة الـ65% من المواطنين يحصلون على 14% من التقديمات، من هنا نفهم العجز الذي تقبع به الوزارة بعد الـ10% من كل شهر فتقفل أغلب المستشفيات أبوابها أمام المواطنين، فلا يبقى على المواطن خيار سوى أبواب مكاتب خدمات السياسيين من أجل تقديم المساعدات الصحية، فتُضرب الديمقراطية.
قبل الغوص في الديمقراطية، لا بُدَّ من التأكيد أنَّ الحاجة اليوم للبطاقة الصحية كبيرة جدًا، وأن يكون كل مواطن مضمون هو أمر أساسي من أجل تحرر المواطن. ومن الجدير بالذكر أنَّ الملف الصحي وضع على نارٍ حامية خلال حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وخلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الأخيرة التي قدمت خطة شاملة حول تأمين الصحة لجميع المواطنين، ثم توقفت في المجلس النيابي من جهة وتوقفت بشكلٍ مطلق في حكومة الرئيس تمام سلام.
إنَّ الملف الصحي اليوم هو رابط أساسي بين حاجة المواطن للصحة وحاجة الوطن للديمقراطية، فلا يمكن أن يبقى المواطن اللبناني مريضا لا يستطيع دخول المستشفيات سوى برضى الزعيم وموافقة وزارة الصحة. كما أنه لا يمكن أن يُترك على أبواب المستشفيات حتى يموت ثم نسأل أنفسنا بأي ذنب مات فلان!
إنَّ الرابط كبير بين الصحة والديمقراطية، كما أنه أكبر بين الصحة والتطرف. فالدولة التي لا تحتضن شعبها لن تستطيع طلب ولاءه ولن تستطيع أن تحرر صوته، فلا شيء يشفي قلب أبٍ مات طفله بسبب عدم قدرته المادية على علاجه، ولا شيء يشفي قلب شابٍ مات أباه أمام عينيه لأنه لم يستطع علاجه، ولن تستطيع الدولة أن تردع شابًا حضنته مجموعات متشددة لقاء علاج طفله، بذلك نرى أنَّ لا شيء سيحمي صوت الـ65% من غير المشمولين صحيًا سوى تأمين الصحة لهم. فالبطاقة الصحية يجب أن تُنجز قبل البطاقة الإنتخابية.