ينبغي على سالك درب الوصول لدارة المناضل الراحل عبد المجيد الرافعي، المرور حكماً بباب الرمل أو جبل النار جنوبا أو القلعة الرابضة على سفح يكشف المدينة بأسرها شمالاً. تلقائياً، تكرّ سبحة الذكريات في التعرج صعودا نحو أبي سمراء في التاريخ الذي حفر صورة طرابلس في عمق الوجدان العربي، كما صنع مسيرة عبد المجيد الرافعي النضالية والسياسية.
كان يكفي صرخة رجل واحد من "جبل النار " حتى تخرج المدينة عن بكرة أبيها للتضامن مع الجزائر أو مصر أو بلد عربي آخر، كما للقلعة اﻻثرية تاريخها الحافل بالتمرد والخروج عن السلطة على وقع شعارات الثورة واﻻنتفاض على الواقع، ويمكن القول بأن تجربة عبد المجيد الرافعي شكلت حقبة أساسية في تاريخ طرابلس لن يمحوها التراجع المريع في مكانة المدينة ودورها على كل الصعد.
تجلس المناضلة ليلى بقسماطي المؤتمنة على مسيرة السياسي والنائب الراحل في صدر صالون المنزل الذي حافظ على تواضعه في المظهر والسلوك، فقد أبت رفيقة الدرب الطويل إلا ان تلبي رغبته بالمحافظة على النهار المفتوح اسبوعا وجمع ابناء طرابلس من كل الفئات، اطياف الرجل الراحل طاغية في أرجاء المكان، كل اﻻحاديث تستذكر موافقه ووقفاته، تتكرر عبارة "عبدالمجيد" في النقاش الدائر دون ألقاب لكونه الملتصق بالناس كما حاجاتهم وأوجاعهم.
وفي بادرة تعكس أخلاقيات أهل المدينة وقيمها الاجتماعية، أكد الدكتور خلدون الشريف موفدا من الرئيس نجيب ميقاتي أمس، الوقوف الى جانب دارة الرافعي المفتوحة التي تتسع لكل أبناء المدينة وحاضنة الهموم الشعبية، مثنيا على دور السيدة بقسماطي في إكمال المسيرة على كل اﻻصعدة.
مجمل اﻻحاديث تدور في اليوم المفتوح حول الوضع العام والعنوان اﻻبرز في اﻻسبوع المنصرم قانون اﻻنتخابات والنسبية وسبل تطبيقها، لكن ما استحوذ على النقاش مطولا هي الحضيرات الحاصلة ﻻحياء ذكرى اﻻربعين المزمع إقامتها في قصر اﻻونسيكو السبت في 26 الشهر الجاري، حيث من المتوقع أن تكون احتفالية وطنية لبنانية وقومية عربية بارزة.
هكذا تنساب الذكريات من أحاديث السيدة بقسماطي، تستذكر محطات في حياة عبد المجيد الرافعي عبر النضال والتضحية ﻻجل فلسطين كونها البوصلة اﻻساسية مكررة قول الراحل "فلسطين هي الطريق إلى الوحدة، والوحدة هي الطريق إلى فلسطين"، تروي للحاضرين تفاصيل شخصية من إلتزام الراحل، تروي مرافقتها له عنوة الى اﻻردن في العام 1970 وبقائه في الصحراء وسط الغبار وإصراره على تناول نفس طعام المقاتلين ثم عودته سريعا إلى بيروت بعد تلقيه نبأ موت الزعيم جمال عبد الناصر للمشاركة في المظاهرات الشعبية.
صوت المرأة الهادىء لم يقطعه اﻻ صوت جهوري ﻻحد المناصرين "كأنه عبد المجيد حاضر بيننا، نفس اﻻلتزام بالقضايا الشعبية ونفس العبارات" قبل أن يجهش بالبكاء وتدمع عيون آخرين، إذ ﻻ يمكن ذكر "الطيب الرافعي" دون شحنة عاطفية من عمق الوجدان الشعبي في طرابلس.