تحت عنوان: "هل كسرت عطلة الجمعة الجرّة بين الحريري ودريان؟"، كتب عبد الكافي الصّمد في "سفير الشمال": أكثر من مؤشّر ظهر في الآونة الأخيرة أعطى إنطباعاً لا لبس فيه عن أنّ العلاقة بين رئيس الحكومة سعد الحريري ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ليست على ما يرام، وأنّ تأزماً مكبوتاً بدأت معالمه بالظهور بين رجلين يحتلان مرتبة المرجعية الأولى لدى الطائفة السنية: الأول سياسياً والثاني دينياً.
هذه الأزمة التي أحدثت شرخاً بين بيت الوسط وعائشة بكار، يعود سببها الرئيسي والظاهر إلى تباين كبير ظهر بوضوح بين المرجعيتين حول عطلة يوم الجمعة، عبر وسائل الإعلام أو من خلال المواقف المعلنة من هذه القضية، وزاد منها سعي دريان إلى تشكيل إصطفاف ديني وشعبي، وحتّى سياسي، خلفه، للضغط على الحريري كي يتراجع عن قرار عطلة الجمعة، أو على الأقلّ تعديله.
وأعادت الأزمة بين الحريري ودريان إلى الأذهان الأزمة التي اندلعت بين الحريري والمفتي السابق الشيخ محمد رشيد قباني، الذي كان مقرّباً ومحسوباً على الحريري قلباً وقالباً، قبل أن يتباعد الرجلان لأسباب مختلفة، ما أدّى إلى نقمة الحريري على قباني واتهامه بالإنقلاب عليه، ثم عزله ومحاصرته حتّى اليوم الأخير من بقائه في منصبه، الأمر الذي جعل كثيرون يتوقعون أن تؤدي قضية عطلة الجمعة إلى ولادة أزمة جديدة بين الحريري ودار الفتوى، ولكن هذه المرة مع دريان وليس قباني.
ويبدو أنّ أزمة عطلة الجمعة بين الحريري ودريان قد بدأت تكبر مثل كرة الثلج، وتنذر بمضاعفات كبيرة، بعدما أبدى المفتي اعتراضاً على قانون دوام الموظفين والعطلة يوم الجمعة، قبل إقراره، ما دفع الحريري إلى الإتصال به معاتباً، وطلب منه ترك القضية جانباً، وهو أمر لم يفعله دريان، ما جعل رئيس الحكومة، حسب معلومات، يوفد إليه مدير مكتبه نادر الحريري، الذي خرج من دار الفتوى تاركاً وراءه إستياءً كبيراً على خلفية الكلام الذي قاله في لقائه بالمفتي، قبل أن تتسرّب معلومات أنّ الحريري سحب سيارة مصفّحة كان أهداها للمفتي كتعبير عن إستيائه منه.
في غضون ذلك، كانت ردود الفعل والتحركات الرافضة لعطلة يوم الجمعة تتفاعل على أكثر من مستوى، وتأخذ منحىّ تصعيدياً واسعاً، وهو ما تمثل في دعوة "اللجنة المنبثقة عن الهيئات والجمعيات والشخصيات الإسلامية والوطنية"، بعد لقائها المفتي دريان، إلى اجتماع حاشد في بهو دار الفتوى ومحيطها عصر يوم غد الأربعاء تحت عنوان: "الجمعة حقٌ.. علينا استعادته"، وسط تحركات ولقاءات مماثلة في أغلب المناطق اللبنانية.
هذه الأزمة بين الحريري ودريان، التي لا يعرف أحد إلى أين ستصل إذا لم يتم إحتواء تداعياتها، هي تعبير عن "جدلية" العلاقة بين رئاسة الحكومة ودار الفتوى في السنوات الأخيرة، وإذا ما كانت علاقة تكامل أم تبعية، حيث يبدو أنّ الحريري فضّل الثانية على الأولى، حسب ما يظهر من طريقة تعامله مع المفتي، بينما يحاول الأخير إيجاد هامش حرية وخصوصية له، يدرك أنّ حصوله عليه ليس أمراً سهلاً طالما رضي منذ البداية، هو وسائر رجال الإفتاء، ترك مصير الموقع الديني الأول في يد السلطة السياسية.
(عبد الكافي الصمد - سفير الشمال)