كتب عبد الكافي الصمد في "سفير الشمال": قبل توجهه إلى مدينة سوتشي الروسية على البحر الأسود في زيارة رسمية للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، يوم الأربعاء الماضي، نقلت وسائل إعلام مقربة من رئيس الحكومة سعد الحريري أنه سيبحث مع المسؤولين الروس مسائل عدة تهم البلدين، من بينها التعاون الإقتصادي والعسكري بين لبنان وروسيا، إلى جانب محاولة الحريري "إقناع الرئيس الروسي إبعاد الرئيس السوري بشار الأسد عن أي حلّ مستقبلي للأزمة السورية″.
مقاربة زيارة الحريري إلى روسيا بهذه الخفّة لقيت ردود فعل ساخرة، نظراً لتفاوت ميزان القوى الهائل بين البلدين، ولأن الروس رفضوا ضغوط دول كبرى حاولت إقناع موسكو بشتى الوسائل التخلي عن الأسد، ورفضت، فكيف يمكن للحريري أن ينجح في مسعى فشل فيه من هم أكثر منه تأثيراً وأهمية بفروقات شاسعة؟
غير أنه لم تكد تمضي ساعات على مغادرة الحريري سوتشي، حتى تبينت الأهداف الرئيسية من زيارته لها، والتي اتضح من التصريحات المعلنة أنها تتمحور حول ثلاث نقاط هي: الأولى زيادة التعاون الإقتصادي بين البلدين، والثاني دعم الجيش اللبناني، والثالث إعتماد لبنان معبراً لإعادة إعمار سوريا طالباً وساطة بوتين في هذا المضمار، متحدثاً عن "دور مهم وإيجابي" للروس في سوريا، بعدما كان هذا الدور موضع إدانة وجرت شيطنته من قبل الحريري وحلفائه في لبنان وخارجه، لأنه أدى لصمود النظام السوري، ومن ثم إستعادته مساحات واسعة من الأراضي التي فقدها أمام الجماعات المسلحة والإرهابية المعارضة التي دعمها الحريري وحلفائه بشكل أو بآخر.
التصريحات التي أدلى بها الحريري في سوتشي، لم يأت بها من قريب أو بعيد على ذكر النظام السوري والرئيس الأسد، لا سلباً ولا إيجاباً، بل كل ما تمناه من "القيصر" الروسي أمرين هما: الأول "ضرورة تضمين أي إتفاق سياسي في سورية بنداً يقضي بعودة كل النازحين بشكل آمن إلى بلدهم"، وهو هنا يشير للنازحين السوريين في لبنان، والثاني أن يكون لبنان "محطة" لإعادة إعمار سوريا، مشيراً إلى "مرفأ طرابلس وخطة للسكك الحديد ومطارات يمكن إنشاؤها".
حل أزمة النازحين والسعي للحصول على حصة من كعكة إعادة إعمار سوريا كانتا موضع جدل سياسي واسع في لبنان مؤخراً، فالحريري وحلفاؤه يريدون الأمرين معاً من دون التواصل مع الحكومة السورية، لمعرفتهم أن “الذهاب” إلى الشام سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من فريق 14 آذار، فضلاً عن أن التواصل مع الحكومة السورية، بنظر الحريري وحلفائه، يمثل “مقتلاً” لهم في شارعهم قبل أشهر من الإنتخابات النيابية.
"حشرة" الحريري وفريقه السياسي دفعتهم إلى القول بمزيد من الخفّة أن "إسهام لبنان في إعادة إعمار سوريا لا تستدعي تواصلاً مع النظام السوري"، ما دفع الوزير السابق فيصل كرامي إلى التغريد بسخرية مستعيناً بالمثل الشائع: "عيني عليه و.. عليه"، وفي دعوة المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد للحريري بالذهاب مباشرة إلى سوريا، لأن "الطريق إلى دمشق ليست من موسكو بل من المصنع"، وفي تغريدات ساخرة على مواقع التواصل الإجتماعي يسأل أصحابها: بعد "ليبان أوجيه" و"سعودي أوجيه" هل ستولد قريباً "سوري أوجيه"؟
غير أن ما غاب عن بال الحريري وحلفاءه في هذا السياق هو تأكيد القيادة السورية مراراً، أن "أي دولة أو جهة ما أسهمت في دعم الارهاب وفي إلحاق الأضرار بالدولة السورية، لن يكون لها أبداً دور في إعادة إعمار سوريا"، إلا إذا كان الحريري وحلفاؤه يوهمون أنفسهم، كما قال من روسيا، بأنهم "شددوا على ضرورة المحافظة على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية"، فهل كان الحريري وفريقه طوال السنوات الستّ من الحرب السورية على الحياد، أم أنه يأمل أن تتكفل روسيا فتح أبواب دمشق أمامه بعد إزالة العوائق والألغام من طريقه بأي ثمن؟.
(سفير الشمال)