أمام الباب الرئيسي، وُضعت بعض الصناديق البلاستيكية وفيها التفاح، البصل، الحامض والبطاطا. إلى جانبها، أكياسٌ بلاستيكية لكلّ من يرغب بأخذ ما يحلو له من المنتجات الزراعية، مجاناً. في الداخل، المشهد فريدٌ من نوعه. إضافة إلى جمال ديكور المطعم الأصليّ وتميّزه، أتت الزينة التي صممت للمناسبة بمزيد من الإبداع. على الطاولات الخشبية التي تحاكي الماضي وأصالته، باقة غريبة من نوعها: بقدونس وقرنبيط وفجل. هنا ايضاً، شمعدانات مُبتكرة، وهي كناية عن تفاحات وضعت عليها الشموع. ملفوف أحمر أزيل قسمٌ منه فبات وعاء غُرزت فيه نباتات وحشائش، وفليفلة استحالت تحفاً فنيّة.
أين وكيف ولماذا كلّ هذا؟!
الموقع: طاولة مار مخايل. الحدث: العشاء السنوي الأول الذي أقامته جمعية
"ACT) "Active Advocacy For Communities For Tomorrow) ضمن مشروعها الذي يُعنى بوقف الهدر الغذائي.
باتت الصورة، إذاً، واضحة. زينة الطاولات جاءت لتقول إن إمكانية تقليص استخدام المنتجات المضرّة بالبيئة واردة. أما "بوفيه" العشاء الذي تخلل السهرة فكان المفاجأة الكبرى!
أمس، اجتمع أهل الإعلام وممثلون عن الوزارات وشخصيات ناشطة في المجتمع المدني في "طاولة" بدعوة من جمعية "أكت" التي اختارت إقامة العشاء السنوي التوعوي الأول لها تزامناً مع اليوم العالمي للغذاء.
رئيسة الجمعية السيّدة بولا عبد الحق أكدّت في دردشة مع "لبنان 24" أنّ مشروع "تقليص الهدر الغذائي" انطلق منذ نحو عامين بالتعاون والشراكة مع "سبينيس"، واصفة إياه بـ"قصة نجاح".
وينصّ المشروع الذي تضطلع به الجمعية من بين مشاريع أخرى بيئية وتنموية، على أن تقدّم كلّ فروع "السوبر ماركت" الخضار والفواكه "الفائضة" والتي لا تزال صالحة للاستخدام والاستهلاك، والمخبوزات، إلى "أكت" التي تقوم بدورها بتوزيعها على جمعيات أخرى موّزعة في مختلف المناطق اللبنانية.
وتصف عبد الحق هذه المبادرة بأنها "مشروعٌ بيئي واجتماعي في آن"، مشيرة إلى انّ الجمعية توّزع أكثر من 14 طن من الخضار والفواكه شهرياً على أكثر من 17 جمعية تشبّك معها.
وتسعى "أكت" إلى ترسيخ هذه الثقافة في لبنان من خلال بناء شراكات مع القطاعين العام والخاص، وتشجيع المواطنين على المشاركة في المبادرات المجتمعية لإحداث تغيير إيجابيّ.
وقد حضر العشاء ممثل وزارة البيئة جاك خليل الذي أكدّ لـ"لبنان 24" حرص الوزارة على دعم مثل هذه المبادرات وتشجيع القائمين عليها، مشيراً إلى أنّ الحدّ من الهدر الغذائي هو أحد أهمّ الوسائل للمحافظة على البيئة، مذكراً بأن وزارة البيئة لطالما تشدد على أهمية الفرز من المصدر.
وافتتحت السهرة بكلمة ترحيبية من عبد الحق شكرت فيها الحاضرين وشركاء الجمعية وعلى رأسهم "سبينيس" التي "واكبتنا منذ انطلاقة المشروع فكانت الراعي والداعم الأول".
وعبّرت عبد الحق عن سعادتها بسرعة الاستجابة التي لمستها من "طاولة" لاستضافة هذا الحدث والمشاركة به، ومن الشيف العالمي حسين حديد الذي آمن بالمشروع وتوّلى تحضير "البوفيه". الأخيرة كانت مفاجأة السهرة، أو قل نجمها الأبرز، إذ تضمّنت القائمة أصنافاً منوّعة من الأطباق النباتية الشهيّة، علماً أنّ المكوّنات هي من الخضار التي أمنتها "سبينس".
وفي كلمة مقتضبة، لفت الشيف حديد إلى حجم الهدر الغذائي في العالم، قائلاً: "لا يزال هناك أشخاص حول العالم يموتون جوعاً بحثاً عن لقمة خبز، وفيما يقوم الآخرون برمي الغذاء من دون أن يعوا خطورة هذا الأمر، يصبح لزاماً علينا جميعاً بذل مزيد من الجهود للحدّ من هذه الظاهرة".
وتحدث ممثل عن "طاولة" (أحد مشاريع سوق الطيب) داعياً الجميع إلى نشر هذه الرسالة على أوسع نطاق، "لأن هذا المشروع نبيل، ونحن جميعاً قادرون على المساهمة في إنجاحه".
هكذا، وفيما تتجه الدول المتقدمة إلى وضع سياسات حكومية عامة لوقف الهدر الغذائي لما له من تداعيات سلبية على البيئة والإنسان، تجهد جمعية "أكت" في تعميم مبادرتها على الصعيد المحليّ متطلعة إلى شراكات أخرى مع مختلف القطاعات. إنها شعلة نور من شأنها أن تضيء نفق الحاضر ومستقبل الأجيال القادمة على حدّ سواء.