طالعني خبر طريف أمس.. خبر
سرقة مالك شقة لناطور البناية، لكن خلفيات الخبر وحيثياته ليست طريفة أبدا!
الناطور الفقير أصبح عرضة للسرقة، وممن؟ المالك الغني.. هنا لا بد من التفكير لبرهة عن الفرق أو التحول الكبير بين المستوييّن أو على كل المستويات المعيشية كافة، عن حاجة الغني "ظاهرياً" الى المال، وعن مدخرات الفقير "نظرياً" التي تكفي وزيادة!!
إنه "البيه" الناطور (بالإذن من النجم الراحل أحمد ذكي والمخرج المبدع حسن إبراهيم في "البيه البواب" 1987) الذي عادة ما يكون أجنبياً، بنغالياً أو سورياَ أو مصرياً او سودانياً أو مجهول الهوية، لكن قلة من هم لبنانيون.. إذا ما قلنا أنهم غير موجودين أصلاً. والسبب نظرية "البيه اللبناني"!
فالناطور الذي يستخف به وبمهنته كثيرون، إذا ما احتسبنا الغرفة المعطاة له بالمجان وما يحصل عليه من يقشيش يومي وعلى مدار الساعة والدخل الشهري المحدود، فهو يكسب شهرياً ما يكسبه أي لبناني يعمل في مهنة متوسطة الدخل، وربما أضعافاً إذا ما "نقشت معو" وكان عمله ضمن نطاق المناطق والأحياء الفخمة. والسؤال لماذا لا يعمل اللبناني ناطوراً؟
ليس المستهدف هنا الناطور الاجنبي لذاته ولا اللبناني العاطل عن العمل ومستعد للعمل بأي مهنة، بل المجتمع الذي صنع صورة ذهنية وهمية تمنع كثيرين من العمل في بلدنا كنواطير أو حراس أمن، وهو بذلك يدفع الآلاف إلى الهجرة و"مسح الجوخ" وأكل الخبز والزيتون والنوم على الطرقات في بلاد غريبة، وكل هذا للحفاظ على "الصورة الاجتماعية". حدثني إذاً، ما هي صورتك وأنت تسرق ناطور بنايتك؟
هذا حال اللبناني الضائع بين واقعه المأساوي وبين مركزه الاجتماعي المتخيل، لكن للحق، اللوم لا يقع عليه فحسب، بل على العقول الكبيرة التي أدرات البلد وأوصلتنا الى حالة يقول عنها المثل: ليس كل ما يلمع ذهباً.. هذا حال المجتمع اللبناني، الذي يكاد، لكنه لم ينفجر بعد متمسكاً بالصبر على الواقع المعيشي الصعب، خصوصاً على من هم دون خط الفقر، عدا عن أن الدراسات جميعها تشير الى أن عددهم يرتفع وقد تجاوز نسبة 30 بالمائة بسبب تضييق الخناق أكثر واكثر على ذوي الدخل المحدود، وتداعيات فرض الضرائب التي انعكست غلاء طاول كل السلع، والركود الاقتصادي المستقر منذ سنين بسبب قطع الوصال الخليجي ووقف التحويلات وهجرة الايادي العاملة الشبابية ونفور المستثمرين الاجانب..، أما السرقات الدائرة في الوزارات والبلديات والجمعيات الخيرية والانسانية، ونهب المساعدات الدولية التي تأتي على حساب النازحين ليلتهمها المسؤولون، وكلها حلقات متجددة أخرى من الفساد. ما ذُكر ليس لسان حالي فقط، بل لسان حال من يسرق وينهب البلد كل حين ولا يكلّ من التنديد بالحالة ولعن الفساد.. ففي أي زمن مخزٍ نحن حتى يعتلي المسؤول منبره ويتحدث مطولاً عن المناقصات والصفقات والمزيدات الزائفة، وهو جزء منها، وأحد لا يرفع صوته رفضاً واعتراضاً، أو أقله يشير الى السارق بعينه!
وما يزيد الطين البلة، سيل القروض الميسرة التي توهم الشخص أنها بفوائد ضئيلة وتكاد تكون اشبه بفعل الخير، لكنها فعلياً تيسّر الأمور لأيام وسرعان ما يكتشف الانسان المعني أنه ابتلع الطعم حتى آخر شيك سيدفعه وقد أصبح مسناً عاجزاً.. هكذا نظل مديونين حتى آخر نفس في العمر، لكن بـ "طريقة ميسرة"!
أمس انتشر هاشتاغ #سنة_من_عمر_الوطن متصدراً الترند.. كان لقاء فخامة رئيس الجمهورية ميشال عون مع الصحافيين هادئاً ولطيفاً، اتسم بالشفافية والصراحة في الحديث عن قانون الانتخابات النيابية وأمن البلد واستقراره والوحدة الوطنية والحريات السياسية وقوة الليرة والقطاع المصرفي وبناء الدولة، وعن العمليات الاستباقية الامنية الناجحة، ومكافحة الفساد، وهنا بيت القصيد، حث تركزت انجازات العهد على الامن وغاب عنها الإصلاح، وهنا لا بد من لفت النظر الى أن البلد لا ينمو بالامن فقط، فضبط الفساد يحتاج لأكثر من أمن مستتب، وعليه، الامن والإصلاح توأمان يؤمنان معاً التغيير الذي نطمح إليه، وإن أراد فخامة الرئيس مهلة إضافية عن السنة الأولى، فلا بأس بذلك لأننا نريد جمهورية.. وموعدنا العام المقبل.