ترتبط عكار وجدانياً بالجيش اللّبناني، فبينهما علاقة جدلية ومن الصعب فك الارتباط بينهما، فما من شقّة في القرى المتناثرة إلا وتنشر على حبال غسيلها بدلة الجيش كون أحد أفراد العائلة منضوٍ في المؤسسة العسكرية، وما من لواء وفوج في الجيش إلا ويضمّ الأقارب والجيران، فتكاد تنحصر الاستفسارات عن أيّ قرية في عكار.
لبلدة عيدمون حكاية متميزة في فصول الحبّ الأزلي، كونها تضم الآلاف من أبنائها في الجيش وتحديداً في اللِّواء السادس الذي قام بعملية تحرير جرود عرسال، من هنا تميزت أجواء الاحتفال التكريمي الذي دعت إليه بلدية عيدمون – الشيخلار بكون احتفاء البلدة بأبنائها وتحديداً الشهيد محمد ضاهر الذي استشهد في معركة الجرود.
برز انشغال العميد الركن عبد الرحمن عثمان منذ إقلاع سيارته من البقاع بإتجاه عيدمون، هو من أهل العريس ومحسوب على أهل العروس فالاحتفال برعاية قائد الجيش العماد جوزيف عون ممثلاً بقائد اللواء السادس العميد الركن فادي داوود رفيق الدرب والسلاح لعثمان على أرض بلدته عيدمون.
لهذه الاعتبارات جميعها لم يتوقّف هاتفي عن متابعة التفاصيل، وتناثرت الأحاديث المتفرِّقة مع مجموعة من الصحافيين عن عيدمون المتميّزة بحرفة حياكة السجاد وخصوصية وضعية أبنائها في اللّواء السادس الذي يضمّ بين صفوفه آلاف الضباط والرتباء والجنود في القرية الواحدة، مفاخراً بأن الجميع أهل وأقارب خاضوا المواجهة مع الارهاب وإنتصروا وقدّموا إبن عيدمون المؤهل محمد ضاهر شهيداً.
بين أحاديث عثمان ومشاهد الريف الساحر المختلط بتشوّهات الفوضى العارمة وغياب الإنماء ووسط مظاهر البؤس، يكرّ شريط الذكريات كمن يبوح بأسرار القلب والروح، فضبّاط الجيش الأشدَّاء يبدون رحماء وعطوفين تجاه قراهم وبلداتهم.
ما إن وصلت آليات الجيش حتّى عمّت الاحتفالات العفوية، تصفيق حادّ وترحيب حارّ من مدخل المدرسة وصولاً نحو الباحة الداخلية حيث عمد رئيس البلدية كمال مقصود على إستقبال الجميع، ومن ثمّ فرقة من الجيش لأداء التحية يتبعها أطفال يلبسون البزّات العسكريَّة، جميعهم أبناء المؤسّسة العسكرية.
تتصدَّر صورة الشهيد محمد ضاهر المنصة الرئيسية، فيما حاكت نساء عيدمون سجادة خاصة بالمناسبة عبارة عن علم الجيش اللّبناني أخذت الأضواء بين حشد الدروع التذكارية والسيوف المذهّبة، فيما بدا الصف الأوّل "عكارياً بإمتياز" الشيخ إلى جانب الخوري، "الكتائب" إلى جانب "القومي" فـ"الشيوعي" مروراً بـ"العوني" و"القواتي"، ليس من انقسامات حادَّة أو على الأقل ثمّة جامع يحيّد التناقضات والصراعات السياسية تحت سقف الالتزام الوطني وحضور الجيش وإهمال عكار وحرمانها.
انطلقت الكلمات مع رئيس البلدية كمال مقصود الذي قال: "عندما نحتفل بإنتصار جيشنا في معاركه ضدّ الإرهاب وآخرها معركة "فجر الجرود" حيث سطّر ملاحم البطولة وأدهش العالم ونال إحترام وتقدير الشعب اللّبناني وشعوب الأرض قاطبةً، فإنّنا نحتفل ونكرّم الشهادة والشهداء أولاً وهو تكريم للبسالة والشرف والفداء، وعندما نتحدّث عن الجيش اللّبناني فإنّنا نتحدّث عن الضمانة والأمان".
وتبعه الأب ميشال برداق بإسم مطران طرابلس والشمال للروم الملكيين الكاثوليك إدوار ضاهر، الذي قال: "واجه أبطال الجيش كلّ التحدّيات بإيمان وتصميم وإرادة ودعم من الجميع وبرؤية واضحة من قيادة حكيمة صاحبة موقف وقرار وضباط أكفاء تحمّلوا المسؤولية بجدارة ورتباء وأفراد تلقّنوا العقيدة فآمنوا بالوطن وقياداته وقدّموا الغالي والنّفيس بدون مهادنة ولا تردّد، فأعادوا الأرض إلى الوطن والمواطن إلى لبنانيته".
كما اعتبر الشيخ وليد إسماعيل بإسم مفتي عكار الشيخ زيد زكريا أنّه "لولا الجيش لما استطعنا أن نصلّي في المساجد والكنائس، فالبديل عن الجيش هو الفوضى والعصابات المسلّحة، وقلنا إنّ الجيش يدافع عن الأرض والعرض ونبيّنا يقول مَن مات دون أرضه فهو شهيد".
وتحدّث في الختام، العميد داوود الذي قال إنّ "عكار ليست ببلداتها وقراها شامخةً مجرّد خزان بشري للجيش وشلال دمّ يهدر في عروقه وحسب، وهذا ما تطمئنّ إليه قيادة الجيش في أيِّ حال وتبني عليه وتحسب له حسابات الثقة والإمتنان والوفاء، إنّما هذه القرى والبلدات هي داعمة للجيش أيضاً بتأكيد نموذجها الإجتماعي الرائد وميزتها الوطنية الأولى وصفتها الإنسانية الثانية الآن، وهي الوحدة الوطنية، والعيش المشترَك والتواصل والتلاقي بين الإنسان وأخيه الإنسان بإحترام دينه ومذهبه ومشاركته في إيمانه بخالقه وضم الجهود إلى جهده للمحافظة على هذه القيَم والمبادئ الموغلة جذورها في الأصالة والتاريخ".