كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني على مدى السنين في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحّة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب.
بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإن القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم. ولقد اختار"
لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه
أيها المسؤول كيف تختار مستشارك؟؟
يصف أحد المستشارين السياسيين مهمة المستشار، ودوره في المشورة فيقول:
ليس من الضروري أن يكون رجل السياسة متخصصاً في حقل من الحقول، كل ما يحتاجه السياسي هو أن تكون عنده ملكة الحس السليم... إلى جانب الرؤية الواضحة والحس الوطني القوي، والصبر، والنظرة المستقبلية، وميزان معقول للأحداث والأمور..
وهذا يعني (الكلام لا يزال لهذا المستشار) أن رجل السياسة ليس بالضرورة أن يكون ضليعاً، أو متخصصاً في التفاصيل الدقيقة للأمور التي ينبغي أن يتخذ قرار بشأنها، لذلك لا بد من وجود مستشارين إلى جانب المسؤول السياسي، تكون مهمتهم وضع المعطيات العلمية لكل مشكلة، أو موضوع، وفي ضوء هذه المعطيات يتخذ القرار السليم، مثال ذلك، أن علاقات الأفراد فيما بينهم وعلاقاتهم بالمؤسسات.. وعلاقات الدول فيما بينها تخضع لقوانين محدودة، فليس مطلوباً من المسؤول السياسي أن يكون خبيراً في كل هذه القوانين - إنها جزء من مهمة المستشار الذي يتولى صياغة الموقف السليم من الناحية القانونية، كي يأتي القرار عادلاً...
وسمعت مستشاراً آخر يدلي بآرائه حول هذا الموضوع فيقول:
في نظري أن المسؤول السياسي ينبغي أن يختار مستشاريه على أساس الثقة المطلقة ومن خلال موازين تخضع للأخلاق والكفاءة... ومن الطبيعي أن يتعرّض المستشار لهزّة "ثقة" إذا جاءت آراؤه مخيبة للآمال... وبالتالي يضطر المسؤول أن يعيد النظر في مستشاره وقد تؤدي إعادة النظر إلى تجاوزه، وإهماله، وتجميده... أو الاستغناء عنه.
والمستشار في مهمته الأساسية لا يملك غير تقديم النصيحة، وإسداء المشورة، بل ينبغي أن لا يملك غير ذلك...
ورأيه لا يلزم رئيسه...
والمستشار أكان سياسياً أو اقتصادياً، أو ثقافياً، هو عين الوزير أو المؤسسة، وكثير من المسؤولين ومدراء المؤسسات فشلوا بسبب استشارات خاطئة، وكثير منهم نجحوا عن طريق مستشارين كانت آراؤهم مدروسة، وأفكارهم سليمة... ونصائحهم إيجابية... وتوجهاتهم صائبة... وبعد!
فإن اختيار المستشار ليس أمراً سهلاً، وقرار الاختيار أهم قرار يمكن أن يتخذه مسؤول.. أي مسؤول.. ذلك عندما يتصدّى لاختيار شخصية المستشار ينبغي أن
يتوفر فيه العلم اليقيني بالأمور، والصدق والأمانة وكتم الأسرار، والتواضع، وحسن التصرف، وشجاعة الرأي... والحس العفوي في تقييم الموضوعات...
والتاريخ يحدثنا عن الأدوار الإيجابية التي لعبها المستشارون فحقق المسؤولون من خلالهم نجاحات.. كما يحدثنا التاريخ عن فشل مسؤولين في السياسة والاقتصاد والتربية بسبب مستشارين لم يوفقوا في الاستشارة... وكان سوء اختيارهم هو السبب في الإخفاق...
أيها المسؤول: إذا أردت أن تنجح فاعرف كيف تختار.. مستشارك.
يقول أحد الشعراء:
المستشار هو الذي شرب الطلى .. فعلامَ يا ذا الوزير تعربد؟