كتب المفكر والاعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب.
بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإن القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: الحكم، الصحافة، الديمقراطية
الحكم.. الصحافة.. الديمقراطية.. كلمات ثلاث، تتداخل، وتتشابك، وتتعانق، وتختلط ثم قد تتناغم، أو تصاب بالارتباك،.. ثم بعد ذلك كله قد تنتهي بالفراق.. والخلل..
فالإنسان كإنسان ينبغي عليه أن يكون ملتزماً بالقوانين، ملماً بها، مطلعاً على الحد الأدنى من مضمونها، ومن ثم ينبغي عليه أن يكون رقيباً على نفسه، محترماً تطبيق هذه القوانين.. ويفترض في السلطة من جانبها ومن خلال إداراتها ومؤسساتها أن تسهم في الرقابة النزيهة الصارمة الحازمة، ويفترض في المسؤول... كل مسؤول، أن يكون حسن السلوك وعلى درجة من الاطلاع والإلمام والثقافة العامة وخصوصاً بما يختص بالمسؤولية الملقاة على عاتقه.. وأن يكون من أهل الرأي التقني والفكري في تصريف الأعمال، وإدارتها حسب الأصول.
وأتصور أن مثل هذه الأمور تنقص الكثيرين، من المسؤولين من مختلف الدرجات والرتب.. وأن خير من يكشف النقاب عن صواب أو أخطاء المسؤولين من كبارهم إلى صغارهم، هي الصحافة.. التي منحت لقب صاحبة الجلالة أو السلطة الرابعة في الدولة. فيفترض في هذه الصحافة أن تلتزم الحرص على استقصاء الحقائق وأن تكون في مستوى من النزاهة، والدقة والأمانة، والترفع بحيث تنقل الخبر السليم، والمعلومات الدقيقة، فلا تحسب نفسها أنها من المؤسسات التجارية.. فهي صاحبة رسالة ومواقف أكثر منها صاحبة مشاريع، وغايات ومصالح.
وعلى الصحافي إذا كان يرغب أن يكون من أصحاب الدرجات الأولى، وفي مستوى رجال الدولة المسؤولين.. على هذا الصحافي المسؤول، أن يلتمس الروح الابتكارية، فيبحث عن الاقتراحات السليمة، والآراء السديدة، والأفكار الصائبة، وأن تكون له الشجاعة الأدبية في مواجهة التحديات، ومجابهة المواقف الحرجة، كذلك على هذا الصحافي الطموح النقي الذي يقدس مهنته، ويحترمها، .. كما شاهدنا ذلك خلال قيام الصحافيين والمراسلين الأجانب بتغطية الأخبار المصورة عبر أحداث لبنان وخاصة عن مذابح مخيمي شاتيلا وصبرا.. كيف كان هؤلاء الصحافيون المراسلون.
يجازفون بحياتهم في سبيل الوصول إلى الحقيقة.. بين النار، ووسط القذائف المجنونة لو لم يكن لديهم شعور صادق بالمسؤولية نحو المهنة.. فإنهم في هذه الحالة إنما يقومون بالنيابة عن الرأي العام المؤلف من جميع الطبقات من أغنياء وفقراء، ومتعلمين وجهلاء، وعمال وأصحاب معامل، من أسياد وخدم، ورجال ونساء، وجلاس في أماكن مختلفة، منهم المتسكعون في الطرقات، أو المحتشدون في المقاهي والملاهي، ومن هؤلاء من يتبادلون الآراء في شؤون الحكم والقوانين.
ولكن في أكثر البلدان أو في بعضها، تتجه إلى ما يسمى باستفتاء الرأي العام حول قضية مطروحة تشغل المجتمع أو الوطن.. يجري ذلك في أميركا وسويسرا والنمسا وهولندا.. بحيث تكفي أن تطرح أسئلة معينة على عدد من الناس فيجيب كل فرد فيه بـ (لا) أو (نعم) ثم تجمع اللاءات والنعمات ويطرح العدد الأقل من العدد الأكثر.. ثم تعلن النتيجة على الملأ، فيتعرف المسؤولون إلى نقاط الضعف أو القوة من خلال هذا الاستفتاء الذي هو بمثابة انتخاب النواب ومجالس الإدارات والنقابات.. فتعمل الحكومة على الاستجابة لهذه النتيجة النابعة من حقيقة ما يدور في أذهان الناس من هموم وآراء، وأفكار حول الموضوع المطروح.. فنحقق من خلال هذه العملية، الحد الأعلى من الديمقراطية، رغم وجود مجلس نواب أو مجلس شيوخ.. فإن اللجوء إلى هذا النوع من الاستفتاء، في عملية ميدانية لجس نبض الرأي العام، من خلال مختلف درجاته وطبقاته الاجتماعية، إنما يعكس مدى تعلق هذا الشعب بأهداب الديمقراطية رغم وجود ممثلين عنه في المجالس والإدارات..
ويبقى في هذا المقام كلمة لا بد من قولها بمناسبة الحديث عن الديمقراطية.. ليس المهم المكاسب التي يكسبها الفرد أو الأمة.. بل المهم والأهم من كل ذلك، أن يحافظ الفرد على هذه المكاسب، وتحافظ الدول على مكاسبها، وتحميها، وتدافع عنها، وتتمسك بها، بكل ما لديها من قوة وبأس.. فالمكاسب الديمقراطية تحتاج إلى حماية دائمة وصيانة مركزة ويقظة مستمرة.. ولا يتحقق ذلك إلا بتعاون الجميع.. نعم بتعاون الجميع مسؤولين وغير مسؤولين..