"الشهداء لا يشعرون بيأس لأنهم يدركون بحماسة الشهادة أنهم يستمرون يستشهدوننا معهم بفرحٍ إلى ساعة القيامة الآتية في تاريخٍ، إذا أردناه، هكذا ما كان منظوراً، فهو هو، لا سواه، المنتصر على الموت. ليس القتلة الذين ينتصرون ولو اغتالوا الشهداء ببربرية تحرق الأجساد.. ولو غرّروا بعقول الذين يصدقونهم.
فالروح الباقية أبداً أقوى من البارود ومن نار الجحيم الذي فتحوا أبوابه ليُطلقوا ناره... ستحرقهم هذه النار إياها لأنها سترتد عليهم... فلنؤمن معاً!"
الكلام للأستاذ الكبير الراحل غسان تويني في مقال بعنوان " تستشهدُنا من بعدك كلّ نهار يا ابني، يا حبيبي!"، نُشر بتاريخ 12 كانون الأول 2008. يحاكي الوالد الموجوع والمفجوع ابنه الشهيد بحرقة قلب، وابتسامة. لا يتردد في "تأنيبه": "لماذا لم تخف من الموت؟ لماذا كسرت التنبيه وهرولت الى الشهادة وكأنك على موعد مع القتلة الذين كنا وكنتَ تعرف أنهم ينتظرونك؟ لماذا ذلك الزهد بالذات وبالحياة؟..".
الوجع لا يصغر مع الوقت. هذه نظرية خاطئة يبتدعها المصدوم برحيل فيبدأ يكررها مطلع كلّ فجر، وفي النهاية يصدقها. الوجع ندبة ووشم. في أغلب الأحيان، لا يتغيّر شكله، لكنّ عمقه ما زال يصل إلى الشريان. وعندما تحلّ الذكرى، ذكرى الرحيل، أمرٌ غريب يحصل، كأن بالخلايا تتجدد وتنشط حول هذا الجرح، فينزف كما لم يفعل من قبل. ويضغط على الاوتار والمفاصل والحنجرة والقفص الصدري. يشعر المتوّجع بالذنب أو بالندم. حرقة في قلب الوالد يكشف عنها، فيقول في مقاله: "أحمل على شفتيّ وهج القبلة التي لم أجد جبينك لأطبعها عليه قبل أن يلفّك التراب، ولا تركوني ألمس وجهك الضاحك لأغسل عنه بدموعي آثار البارود الذي أحرقَك وأحرقَ قلبي وقلوب محبيك والمتعبّدين للوطن والحرية كلهم..."
في العام الثاني عشر بعد الرحيل، ما زلنا جميعاً، موجوعين. وها نحن نشعر أيضاً بفيض الندم ونخز الذنب. كيف ترددنا بطبع قبل على جبين عريض حمل أحلاماً وعنفواناً وفكراً... ولبنان؟!
كيف سمحنا أصلاً لك، يا جبران، بأن تتهوّر وتحترف الثورة على حساب حياتك؟ بل كيف سمحنا لأنفسنا، طوال كلّ الأعوام الماضية، بالمكابرة على حقيقة واحدة وبإخفائها، فما أعلنا ولا اعترفنا بأننا أيضاً، مذنبون؟!
ذنبنا، يا شهيد القسم، أننا في الحقيقة... تصالحنا مع اليأس. ما عدنا نقول "لا". وما عادت تُحركنا صفعة ولا يؤرقنا كابوس. وأنت... أنت كنت تكره الوجع. وتمقت اليأس. ونحن، للاثنين اليوم، مستسلمون. الكارثة أننا لا نعرف السبب. ننظر من حولنا كأطفال تاهوا في زحمة وضجيج ووهم، علّنا نُمسك بالمسخ. أو علّنا نعثر على منقذ. عبثاً ننجح، فنفرح بأننا لم ننجح، ونلوم كلّ شيء وكلّ آخر، باستثناء أنفسنا.
وننسى أنّ ما ينقصنا بريق عينين كان في عسليّة عينيك، اكتسبته أو ولد معك لا فرق، فالمهمّ أنه كان قادراً على إرسال الأمل متى لزم الأمر، وعلى تفتيت الظلم متى وجد. وننسى أن ما ينقصنا إيمان بأنّ "قضيتنا قضية حق، قضيتنا ليست قضية مسلم ومسيحي، انها قضية حرية وطن واستقلاله وسيادته وكرامته... وطن جميع اللبنانيين!
ينقصنا أن نكرر مع صوتك: "قلت وطناً واحداً حراً مستقلاً لا اشلاء وطن."
ينقصنا ألا ننسى وعدك ولا حلمك ولا قسمك ولا قدسية استشهادك... ولا إحقاق العدالة التي لم تنلها بعد يا شهيد الحبر والوطن.
فهلّا استشهدتنا كلّ نهار من جديد يا جبران؟!