لولا عجقة الطرقات، ولو لا يستلزم منا الوصول إلى الأمكنة التي نقصدها، مهما كانت المسافة التي تفصلنا عنها قصيرة، ساعات طويلة من القهر والعذاب، لما عرفنا أننا في زمن الأعياد، تضاف إليها زينة المحلات والشوارع وأشجار العيد من كل الأشكال والأحجام.
ففي هذا الزمن تعود بنا ذكريات الطفولة البريئة إلى ذاك الشخص الحمر ثيابه مع لحيته البيضاء وكيسه الممتلئ هدايا، وهو يحمل الفرح والأمل، على رغم أن ثمة من خطّط وصمّم حتى يحرف العيد عن معناه الحقيقي، ويصبح طفل المغارة مجردًّا من قدسية رسالته السماوية، ومجرد فرح مصطّنع مغطّىً بالبهرجات الظاهرية والقشور الفارغة البعيدة عن الجوهر والمعنى الحقيقي لزمن الميلاد الخلاصي.
ولأن "بابا نويل"، الذي كان رفيق طفولتنا الحالمة، أصبح أسطورة غير موجودة إلاّ في مخيلة الأطفال، وجب علينا نحن المؤمنين بعالمية علاقاتنا الإنسانية أن نتحوّل إلى "بابا نويل"، كل في بيئته، فنكون رسل فرح وأمل، ونحمل في أكياسنا ما يجعلنا نتخلى عن أنانياتنا، ولو لفترة قصيرة من الزمن، ونتعالى عن "الأنا" التي ترافقنا طيلة أيام السنة.
كم من المحتاجين إلى نظرة حنان نلتقي كل يوم في دروب حياتنا، وكم من طالب رحمة نصادف عند مفترقات طرقنا الوعرة، وكم من صامت يتوسل إبعاد الضجيج عن مسامعه، وكم من مريض ينتظر كأس ماء تخفّف عنه ظماء حاجته إلى الصحة، وكم من متروك لا يجد من يسامره في وحدته، وكم من عجوز ينتظر من يرفع من معنوياته في زمن اليأس، وكم من حزين يترقب من يطرد عنه غيمة الكآبة، وكم من مظلوم يفتش عمن يرفع الظلم عنه، وكم من متهم بريء يترجى إظهار براءته أمام الناس، كم من مُهانة كرامته يتطلع إلى من يردّ إليه ما سلبه التجبّر من عزة نفس، وكم مضطهد، وكم من مشرّد ومهجر لا يرى رحمة في قلوب الأقربين والأبعدين. وكم وكم وكم!
لأجل جميع هؤلاء كان العيد، ومن أجلهم جميعًا أتى ألينا صاحب العيد، وهو يقول لكل واحد منا: إحمل كيسك على ظهرك ووزع عليهم، كل حسب حاجته، ما يفيض عنكم مما حُرم الآخرون منه.
بهذا يعرف الناس أننا أصحاب العيد الحقيقي. وبهذا وحده نستحق أن نحمل أسمه، فنكون كـ"بابا نويل" الذي يوزع هداياه يمنة ويسرة من دون حساب للربح أو الخسارة.
فلو لم يكن "بابا نويل" موجودًا لوجب علينا إيجاده في حياتنا، وما علينا سوى أن نلبس لبوسه ونخرج إلى الطرقات والأزقة، نفتش عن كل هؤلاء، فيكون للعيد معناه الحقيقي، ويكون سلام وفرح.