أكثر من أسبوع مرّ على جريمة قتل الديبلوماسية البريطانية ربيكا دايكس على يد سائق أجرة كان يعمل لصالح شركة "أوبر"، ولا تزال قضية الأمان في النقل العام الشغل الشاغل للبنانيين الذين أصيبوا بالهلع، سيّما وأن الشركة المعنيّة جديدة عليهم من حيث الفكرة وآلية العمل، إضافة إلى كلّ ما يشوب هذا القطاع من "تجاوزات" وفوضى.
حكي الكثير في هذا الموضوع، فكُشفت بعض الحقائق وشوّهت أخرى، فيما المطلوب واحد، بل ثلاث: طمأنة المواطنين وحضّهم على المضي في استخدام سيارات الأجرة وبخاصة في الحالات التي تتعذر فيها القيادة، والإضاءة على الوسائل والحلول الممكنة والقائمة التي تساهم في تنظيم قطاع النقل العمومي في لبنان، وعدم الوقوف عائقاً أمام المبادرات الجديدة التي تتوّسل التكنولوجيا بهدف تسهيل الأمور على الناس.
ومن المعروف أنّ قطاع النقل العام في لبنان تشوبه الفوضى، وهو في الواقع غير مدرج على لائحة الأولويات بالنسبة إلى المسؤولين وأصحاب القرار بدليل شبه غياب النقل المشترك (غياب تامّ لوسائل نقل عامة مثل القطار والترامواي والمراكب البحرية العامة...)، ما يضع المواطنين أمام خيارات محدودة للتنقل، من ضمنها "السرفيس" و"التاكسي" والباصات الخاصة...
ويحدد قانون السير اللبناني الشروط الواجب توافرها من أجل الاستحصال على رخصة سوق عمومية (وهي التي تخول حائزها سوق سيارة سياحية عمومية أو خصوصية لقاء أجر)، كما يحدد قانون النقل اللبناني شروطاً لشركات الأجرة العاملة في لبنان.
ومع ظهور شركات النقل التي تعتمد على التطبيقات الالكترونية (مثل أوبر وكريم)، بدأت تعلو أصوات أصحاب شركات الأجرة التقليدية التي ما انفكّت تطالب الدولة اللبنانية بوقف عمل هذه الشركات لمخالفتها القوانين والمعايير الأمنية وعلى رأسها عدم الحصول على ترخيص رسميّ من السلطات اللبنانية لمزاولة المهنة، فضلاً عن انعدام المراقبة المباشرة على السائق وتشغيل مركبات خصوصية (بحسب ما ورد على لسان نقيب أصحاب شركات التاكسي في لبنان شارل أبو حرب)، إضافة إلى تحفظات أخرى.
لكنّ تلك الشركات "الذكية" تردّ بأنها لا تشغّل سوى سائقين حائزين رخصة سوق عمومية، وهي تطلب منهم تزويدها بسجلّ عدليّ من أجل التأكد من أهليّتهم لممارسة هذه المهنة. وبحسب هذه الشركات، فإنّ وسائل الحماية والأمان متوافرة أمام الركاب، ومن ضمنها التعرّف مسبقاً على السائق والاطلاع على سجله كاملاً قبل الموافقة على الرحلة، إضافة إلى إمكانية تسجيل أي شكوى على التطبيق أو لدى مكاتب الشركة وتقييم السائق والرحلة على حدّ سواء.
وإذا كانت "جريمة سائق أوبر" كما بات اسمها قد فاقمت شعور المواطنين بالخوف من استخدام مثل هذه الشركات، مضافاً إليها الحملة التي شُنّت عليها من قبل الشركات التقليدية وصولاً إلى دعوة وزير الداخلية اللبنانيين بإزالة التطبيق (اوبر) عن هواتفهم، فإن مواطنين كثر لم يترددوا في المقابل في الكشف عن هواجسهم ومخاوفهم حيال التنقل عبر سيارات الأجرة التابعة لشركات "كلاسيكية" بسبب ما يحصل أيضاً من انتهاكات (منها التحرش الجنسي) ومن مخالفات لقواعد السلامة المرورية، رغم المتابعة والمراقبة المفترضتين!
وإذا كان "نظام إدارة سلامة أساطيل النقل" الذي تحدث عنه رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية كامل إبراهيم في
تقرير سابق أعدّه "لبنان24" (والذي يركز على ثلاثة عوامل أساسية: اختيار السائق، الرقابة والمتابعة) غائباً عن لبنان، فإن أمام شركات الأجرة أكثر من وسيلة لتعزيز الأمان والقيادة المسؤولة في مركباتها بما يصبّ في مصلحة المواطنين ومصلحتها على حدّ سواء.
جاد عطالله، مدير شركة Mobiads التي تضطلع بالقطاع التكنولوجي يتحدث في هذا السياق عن مبادرة جديدة تشقّ طريقها في لبنان، فيشرح في حديث لـ "لبنان24" عن وسائل الأمان والحماية المتوافرة في المركبات التابعة لـ MobiTaxis المزوّدة بكاميرات مراقبة تنقل مباشرة إلى مكاتب الشركة وOBD port (On-Board Diagnostic) وهو جهاز لقراءة معلومات السيارة بما فيها السرعة التي تسير بها والأعطال، إضافة إلى GPS ونظام للتعرّف على الأصوات.
هذه الشركة الناشئة انطلقت في لبنان في أواخر العام 2015 وكان هدفها تعميم هذه الفكرة على شركات الأجرة كافة وتزويدها بهذه الخدمات التكنولوجية. يقول عطالله:"كانت ثمة صعوبة في إقناع شركات الأجرة بالعمل وفق هذا النظام، من ضمنها الإصرار على الاستحواذ عليه حصرياً. وبما أنّ هدف الشركة ترسيخ هذه الثقافة وتعميمها، قررنا البدء بأنموذج خاص، فقمنا بشراء 40 سيارة وزوّدناها كلّها بوسائل الحماية، وخلقنا تطبيقاً ذكيا يحمل اسم MobiTaxis من خلاله يحجز الراكب رحلته".
الشركة إذاً شبيهة بـ "أوبر" ومثيلاتها كونها تتوّسل التطبيق الهاتفي، لكنّ ما يميّزها عن سواها عوامل كثيرة، من أبرزها بحسب عطالله، وجود وسائل الحماية (الكاميرات والأجهزة الأخرى)، وامتلاكها للسيارة، وإصرارها على توظيف سائقين خاصين لا يعملون في شركة أخرى.
يشرح:" خلقنا نظاماً متكاملاً يحمي السائق والراكب على حدّ سواء، ويشجع الجانبين على التعامل معنا. المركبة خاضعة للمراقبة ونحن قادرون على التحكم بها عن بعد (إيقافها) عند الاشتباه بأي خطأ، وذلك بفضل التقنيات الموجودة".
ويقول عطالله أن الشركة وضعت مسارات محددة للسائقين لا يمكنهم تغييرها، وفي حال ارتكاب السائق أي مخالفة في القيادة فإن الشركة تعمد فوراً إلى اتخاذ تدابير بحقه من ضمنها الاقتطاع من الراتب (بما يشبه محضر الضبط).
ويكشف عطالله عن الأفكار والمشاريع المستقبلية التي تعمل الشركة على تطويرها وإرسائها، ومنها إضافة ما يعرف بـ Panic button على التطبيق ما يمكن الراكب باستخدامة في حال الطوارئ، سيّما وأنه متصل بالواي فاي المتوافر في المركبة.
لا ينكر عطالله أنّ المبادرة التي يحاول تعميمها على شركات الأجرة كافة مليئة بالصعوبات، ومن ضمنها إقناع المواطنين بأن وجود كاميرات المراقبة في المركبات ليس انتهاكاً لخصوصيتهم بل هي لحمايتهم، لكنه مؤمن بأن المستقبل سينتصر للتطوّر التكنولوجي الذي يصبّ في مصلحة الإنسان.
فهل سيلقى هذا المشروع قبولاً في المجتمع اللبناني؟ وهل هو فعلاً الأمثل لحماية الراكب والسائق على حدّ سواء؟