يقدم سدّ جنة نموذجاً حياً حول الإنقسام الحاد بين الأفرقاء حول مشاريع يفترض أنها إنمائية وليست سياسية وتستند إلى رؤية علمية موحدة، فإذا بالمعنيين يقرأون الدراسات البيئية نفسها من منظارين متناقضين. فالخلاف حول سدّ جنة بين وزراء ونواب "التيار الوطني الحر" من جهة، ووزارة البيئة ورئيس لجنة الطاقة النائب محمد قباني وهيئات المجتمع المدني من جهة ثانية، يعود إلى سنوات مضت، وقد استفحل قبل أيام خلال اجتماع لجنة الطاقة النيابية التي أوصت بتعليق العمل به.
وجوهر الخلاف يتمثل في أن "التيار الوطني الحر" يرى في المشروع حاجة انمائية ومائية حيوية ، مؤكداً أنه يغذي جبيل بـ 30 مليون متر مكعب من المياه، وبيروت بـ 65 مليون متر مكعب، في المقابل يستند المعترضون على انشاء السد إلى دراسة أعدّتها الوكالة الألمانية الرسمية "BGR” "التي أصدرت تقريرها بتاريخ 3 حزيران 2012 وفيه إن نسبة التسرب المائي الهائلة للسدّ تأكدت لهم باتجاه جعيتا، وهي تتراوح بين 35 و52 في المئة، وبناء على تقريرها يتراوح التخزين الفعلي للسدّ بين 7 ــ 8 ملايين متر مكعب فقط، ويوصي التقرير بعدم الإستمرار في بناء السدّ.
فالتقرير الألماني هذا أتى متناقضاً مع تقرير أعدّته شركة الإتحاد الهندسي (خطيب وعلمي) التي تقوم بتشييد السدّ، ثم كُلفت الشركة الاستشارية الفرنسية العالمية "SAFEGE" بدراسة المشروع، وخلُصت إلى أنّ الموقع المقترح للسد يتميز بطبيعة جيولوجية وهيدروجيولوجية معقدة لا تناسب إنشاء خزان مائي.
وزير البيئة محمد المشنوق طلب وقف العمل في السدّ، إلى حين إجراء دراسة الأثر البيئي الملزمة ، ثم علق وزير الزراعة أكرم شهيب قبل خمسة أشهر العمل به ريثما تنجز وزارتا الطاقة والمياه والبيئة دراسة جديدة للأثر البيئي للمشروع. وكان المدير العام للموارد المائية والكهربائية فادي قمير قد وجه كتاباً إلى وزير الطاقة والمياه جبران باسيل في حينه، اطلعه فيه على الثغرات التي تعتري تنفيذ السد رافضاً تمريره. ولاحقا سحب المشروع من يد قمير ووضع في عهدة مصلحة مياه بيروت. من جديد كلّفت وزارة الطاقة شركة "جيكوم ـــ أنطوان سلامة ومشاركيه" دراسة المشروع.
أما الحركة البيئية وهيئات المجتمع المدني فتحذر من أنّ تشييد السدّ سيحدث مجزرة بحق الآف الأشجار في نهر ابراهيم ، فضلاً عن القيمة التاريخية الفريدة للنهر، كونه أبرز مواقع التراث الفنيقي.
وجديد فصول سدّ جنة هو صدور تقريرمفصل عن شركة "جيكوم" ، بناءً عليه أوصت لجنة الطاقة النيابية بتعليق العمل بالسدّ حتى منتصف أيلول، بانتظار أن تصدر وزارة البيئة توصياتها في الواحد من أيلول ، الأمر الذي فجر خلافاً حاداً داخل اجتماع لجنة الطاقة والأشغال، حيث احتدّ النقاش ووصل إلى مسامع الإعلاميين ،وتبادل الفريقان شتّى أنواع التهم ،وتجددت الحرب الكلامية بين قباني من جهة والنواب نبيل نقولا فادي الأعور وعباس هاشم من جهة ثانية.
"
لبنان24" حصل على ملخص تنفيذي من شركة "جيكوم" يظهر التأثيرات السلبية والإيجابية للشروع. وأبرز ما جاء في التقرير:
"ستبلغ كلفة التدهور البيئي 42 مليون دولار سنويا .وستترافق فترة البناء مع تعديات كبيرة على الأصول الطبيعية. سيؤدي إلى تدهور طويل المدى للنظامين الايكولوجي والزراعي. سيتجزأ النظام الايكولوجي جراء الفيضانات وأعمال البناء. سيززع استقرار التوازن المناخي الحساس. ستواجه الأنواع المستوطنة فيه خطر الإنقراض".
ويتحدث التقرير عن انهيار السد "ويستنتج بأن مصب سدّ جنة حاد جداً وهذا يشكل تحدياً لعمل تصور لإنهيار السدّ . وفي الجوانب الايجابية "يمكن استخدامه لمكافحة الحرائق، ويساهم في خفض الاستخدام غير الرشيد للمياه الجوفية ، وفي توفير مياه صالحة للشرب للمنطقة".
رئيس الحركة البيئية بول أبي راشد الذي شارك في اللجنة تحدث لـ "لبنان24" عن القيمة التاريخية لوادي ابراهيم قائلا" فلنتريث في بناء السد، الوادي عمره ملايين السنيين يحمل تاريخاً حافلاً، وتكلفته البيئية كما المادية مرتفعة جداً".
في المقابل ممثل شركة خطيب وعلمي الدكتور مازن حيدر دافع عن جدوى المشروع "نحن لا نخلق مطمرا بل بحيرة ، وبالتالي لا يتم إدخال عناصر جديدة إلى المياه الموجودة أصلاً بل فقط سيتم رفع مستوى المياه، كما أن منسوب مياه النهر يرتفع في فترة الشتاء وكل ما نقوم به هو الاحتفاظ بهذه المياه كي لا تذهب هدراً، والسّد متين، لافتاً إلى عدم استغلال المنطقة سياحيا ، مؤكداً انه يغذي تسعين مليون متر مكعب متحرك لان تخزينه متواصل طيلة السنة.
وعن الأشجار المهددة لفت حيدر إلى أن "كلّ المشاريع السكنية تحدث ضرراً بيئياً، وهناك مشاريع في جبل لبنان تؤدي إلى اقتلاع الآف الأشجا، لا يتم التصويب عليها لأنها مشاريع منفردة وكأن وزارة البيئة غير معنية بالموضوع، فضلاً عن الضرر الكبير التي تحدثه الكسارات، وبالتالي علينا أن نقيس بالميزان ايجابيات السدّ وسلبياته، لا سيما في ضوء الحاجة المتزايدة للمياه، ويمكننا أن ننشأ محمية مثلا للتعويض عن خسارة الأشجار". وأضاف حيدر "طلبت منا الشركة الفرنسية "safege " توضيحات ، قدمناها وأكدت لنا أنّ عملنا صحيح وكل هذه المعلومات أصبحت بعهدة اللجنة الفنية المختصة في وزارة البيئة".
إذن الجميع بانتظار تقرير وزارة البيئة ليُبنى على الشيء مقتضاه، عله يحسم مصير وادي أدونيس أو الأرض المقدسة بالنسبة للفنيقيين، بعد مرور 61 عاماً على إطلاق فكرة المشروع، وتلزيم الدراسة لمكاتب هندسية، وبعد 19 عاماً عى تسجيل وادي أدونيس ليّصنف كموقع ثقافي على لائحة التراث العالمي لليونسكو من دون أن يتم التصنيف لغاية اليوم.
("
لبنان24")