كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه "لكي تكون كبيراً عليك أن تعمل أشياء كبيرة".
لكي تكون كبيراً ينبغي أن تكون ممارساتك في الحياة كبيرة!!
لكي تكون كبيراً، يجب أن يكون سلوكك كبيراً ولكي تكون كبيراً يجب أن تتعامل من موقع كبير..
ولكي تكون كبيراً، يجب أن تكون كبير النفس والعقل والقلب.. وقديماً قال أحد الشعراء وهو المتنبـي:
إذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
ولكي تكون كبيراً أيضاً، يجب أن يكون عطاؤك كبيراً، ولكي تكون كبيراً يجب أن تترفع عن الصغائر، وترتفع إلى الكبائر، فالرجل الكبير هو الذي يتجاوز الأخطاء الصغيرة، ويستوعب الأخطاء الكبيرة.. ويتجاوز أخطاء الآخرين.. والرجل الكبير وحده يقف صامداً أمام العواصف، ويواجه الصدمات، ويتلقى الضربات من العدو والصديق بصدر رحب وقلب كبير.. والصغار وحدهم يغيبون أمام كل صدمة، ويختفون أمام كل حدث، ويهربون من كل مسؤولية، والصغار وحدهم يهتمون بالصغائر، ويهتزون من الصغائر، ويغرقون في الصغائر..
وتعظم في عين الصغار صغارها
وتصغر في عين العظام العظائم
ولقد قرأت للشاعر "ريارد كيبلينغ" قصيدة مشهورة عنوانها "إذا" وهي موجهة لكل إنسان يود أن يكون كبيراً... يقول كيبلينغ في بعض أبياته إذا استطعت أن تثق بنفسك حينما يشك الجميع فيك.. إذا استطعت أن تنتظر دون أن تسأم الانتظار.. إذا استطعت أن ترى الناس يكذبونك القول، وتبقى أنت، وحدك صادقاً.. إذا استطعت ألا تترك مجالاً لكراهية في نفسك حينما يكرهك الجميع.. إذا استطعت أن تقف أمام الهزيمة والانتصار وتعامل كلاً منهما بالطريقة الواحدة نفسها.. إذا استطعت أن تسمع كلمة الحق التي تلفظت بها مشوهة، يطرحها عليك الأشرار للإيقاع بضعاف العقول. إذا استطعت أن توقف قلبك وأعصابك وكل كيانك على خدمتك، بعد ما تكون قد فقدت السيطرة عليها كلها.. وأن تكون سيد موقفك، وسيد موقعك، وليس حولك سوى الإرادة التي تدفعك وهي تقول "ثابر واستمر" إذا استطعت أن تحمل في قلبك بعض المحبة لكل الناس، دون أن تسرف في محبة واحد منهم إذا استطعت أن تملأ الدقيقة الواحدة بستين ثانية من العمل المجدي.. إذا استطعت أن تفعل كل هذا، تكون قد ملكت الدنيا، وملكت كل من فيها.. وتكون فوق هذا كله رجلاً يا بني!
تلك هي النصيحة - الصرخة التي أطلقها الشاعر كيبلينغ من حنجرته وهو يوجه نصيحته، ويحدد معالم الرجولة، وأبعادها، والمواصفات التي يجب أن تتوفر في الإنسان الذي يطمح أن يكون رجلاً، ورجلاً فحسب.. وليس كل الرجال، كبيراً وعظيماً، والعظمة لها ضريبتها وطريقها ليس مفروشاً بالزهور.. إن الطريق إلى العظمة والمجد محفوف بالمخاطر والأشواك وصدق المتنبـي عندما قال: ولا بد دون الشهد من إبر النحل.