حصد لبنان نحو 11 مليار دولار قروضاً ومنحاً من مؤتمر "سيدر"، وهو رقم فاق التوقعات اللبنانية، وهذه المليارات – وإن كانت وعوداً – سواء منها القروض أو المنح، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالاصلاح الذي يركز عليه المجتمع الدولي كثيراً في مقاربة بوصفه شرط من شروط الإقراض، لكن السؤال هو هل المجتمع الدولي مهتم بالإصلاح أكثر من اللبنانيين؟
ثمة ملاحظات ينبغي التوقف عندها ملياً، أي بشكل يتجاوز السجال اللبناني الذي سبق وأعقب المؤتمر لناحية ربطه ربطاً شرطياً بالانتخابات النيابية، وهو ربط غير منطقي أصلاً لأن العالم لا يدير التزامته وفقاً للأجندة اللبنانية، من جهة، ومن جهة ثانية، لا ينبغي التعامل مع الاهتمام الدولي بلبنان من منطلق التسليم المطلق بـ"حسن نوايا" الخارج.
فوفق خبراء المال، ومن تحليل مبسط للأرقام يتبين أن 93 % من أصل الـ 11 مليار هي قروض مقابل 7 % هبات، وهذا بخلاف النتيجة التي كان توصل إليها موؤتمر باريس 3 أي 30 % هبات، مقابل 70 % قروض.
وقد توزعت الأرقام على: البنك الدولي الذي "وعد" بـ 4 مليارات دولار (أي ما نسبته 35% من مجمل الوعود المقدمة في المؤتمر)، الاتحاد الأوروبي 150 مليون يورو (أي ما نسبته 34 % من الوعود)، والدول العربية بما نسبته 25 % من الوعود.
وفي تحليل الأبعاد السياسية للأرقام يجب التوقف عند بعض التفاصيل، مثلاً: الكويت قدمت 680 مليون دولار، قطر 500 مليون، السعودية وبعدما عدّدت ما قدمت للبنان وعدت بإعادة العمل بالإلتزام تجاه لبنان بمليار دولار كقروض ولم يعرف ما هي شروط المملكة لإعادة العمل بهذه القروض وما إذا كانت بإطار مؤتمر "سيدر" أو خارجه، الإمارات العربية لا شيء، إيران لا شيء، تركيا 200 مليون دولار!!
الإصلاح شرط الإقراض
من المعروف أن القروض تكون مشروطة بخطوات إصلاحية، فخلال المؤتمر كان تشديد من قبل الدول المشاركة على أهمية قيام المسؤولين في لبنان بخطوات سريعة على طريق الإصلاح، وقد كان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان شديد الوضوح في إعلانه أنّ "لبنان بحاجة ماسة لإجراء إصلاحات بنيوية وقطاعية على اقتصاده"، مشيراً إلى أنّ "استقرار لبنان من الناحية الاقتصادية، يعتمد على حركة مشتركة، تتطلب من لبنان القيام باصلاحات والدعم الدولي من قبل المجتمع الدولي.. وعلى هذا الأساس سيتمّ تقديم تعهدات حسية ومهمة وستكون التزامات متبادلة من الجهتين". فالاستدانة من دون تعزيز المشاريع الاستثمارية في مجال الطاقة، والشراكة مع القطاع الخاص، وتحديث قانون التوريدات العامّة، وضع استراتيجية شاملة للجمارك لتسريع المبادلات التجارية، وتحرير الاتصالات، والخوض في تسهيل عمليات استثمار القطاع الخاص، والالتزام بتنفيذ تدابير تعزّز الشفافية والمساءلة، وإصلاح قطاع الكهرباء وتحسين التغذية الكهربائية وخفض أعبائها بما يخفض الدين العام، ومكافحة الفساد، ومشاريع والبنى التحتية والنقل العام والاتصالات ومعالجة النفايات وغيرها ستؤدي إلى مزيد من العجز، أما تحقق المشاريع التي ذكرت تؤدي إلى نمو في الناتج المحلي بدل النمو المضطرد في الدين العام الذي هو حالياً نحو 80 مليار، ومرشح للزيادة خلال الخمس سنوات المقبلة التي هي فترة استحقاق قروض "سيدر".
من الواضح أن هذه الأهداف تتطلب من الحكومة الحالية أو الحكومة التي ستشكل بعد الإنتخابات النيابية الكثير من العمل المتواصل للوصول إلى ربعها، فيما تطلب الدول الصديقة للبنان أن يقبل على الإصلاح بجدّية ومن دون مماطلة، أي التخلي عن التقليد اللبناني العريق في التسويف واختلاق الأعذار والمماطلة والمراهنة على عامل الوقت، وتقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة.. وهي الأمور التي على اللبنانيين مراقبتها جيداً ومحاسبة السلطة على أساسها.
صحيح أن العالم يريد استقراراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً للبنان، وصحيح أنه يخشى تفليسة هذا البلد ودخوله دوامة المجهول، وهو يدرك سلفاً حجم الضغط جراء كارثة النزوح، لكن كلّ ذلك لا يعفي اللبنانيين من مسؤوليات الحدّ من الفساد والمباشرة بعمليات اصلاحية حقيقية، وإذا كانت الطبقة السياسية لا تستطيع ذلك، أو لا تريده، فما عليها إلا الرحيل. بقاء البلد واستمراره أهم. ومستقبل الأجيال أهم، وقبل كل ذلك وبعده لم يخل هذا الوطن من كفاءات نزيهة ومستقيمة، ومن خبرات قادرة وواعدة.