كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "واعروبتاه.. يا أطفال الاغتراب!!":
أطفال الاغتراب يحتضرون.. عربياً..
تحتضر لغتهم العربية.. وتحتضر جذورهم، وعاداتهم، وتقاليدهم العربية... لقد ضاع ظلهم في شمس الاغتراب. وكاد يحترق.. بل كاد يتحول هشيماً تذروه الرياح.. رياح الغربة.. رياح المجتمع الغربـي.. رياح العادات الغربية، والغريبة التي باتت تهدد جذورهم، وتعصف في العمق تراثهم، وموروثاتهم..
الآباء يشكون بألم.. الأمهات يحاولن عبثاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الضياع.. ولكن على من تدق مزاميرك يا داوود؟؟
لقد كان إعجاب الآباء في البداية باللغة الأجنبية حيث أخذ الأولاد يتكلمون بها، ويقبلون عليها، بلغ حد الزهو، حتى لم تكن تسمع في البيوت العربية المهاجرة (قسراً) أو (طوعاً) غير اللغة الأجنبية أما لغة "الضاد" لغة الأم كما يقولون! فلا تسمعها لا همساً، ولا إشارة، بل يمرون بها، ويزهدون فيها، ويشيحون عنها..
قال لي أحد الآباء والحزن يجرحه، لقد كان سروري عظيماً في سنوات الهجرة الأولى، عندما كنت أستمع إلى أطفالي وهم يتحدثون الإنكليزية كأهلها.. كنت أشعر بنوع من الزهو، وكانت تغمرني نشوة لم تكن تخلو من السعادة، ولكن بعد مرور فترة من الزمن.. شعرت بنوع من الغربة.. تحول مع الأيام إلى شعور بالمرارة، لقد اكتشفت أن جسماً غريباً قد دخل دارنا، وأن شيئاً كبيراً وثميناً جداً قد أخذنا نفقده في أطفالنا..
وككل أب.. يتمنى أن يرى صورته في أطفاله.. ولكن يبدو أننا فقدنا صورتنا فيهم.. لم نعد نرى في وجوههم غير سمات غربية، وغريبة..
لم نعد نرى في حركاتهم وتصرفاتهم غير حركات لا تمت إلينا بصلة ولا ترتبط بنا، ولا تنتمي إلى جذورنا، ولا تتصل بشكل أو بآخر ببيئتنا، بل بمجتمعنا.. بل بتراثنا.
وقال لي أب آخر: لقد كنت أدرك منذ الوهلة الأولى بأنني لو أقمت في ديار الغربة.. سأفقد أطفالي.. وسأكون غريباً عنهم، ولذلك قررت الرحيل، والبقاء وسط بيئتي ومجتمعي وعشيرتي.. رغم كل شيء.. رغم الدمار والخراب والقذائف.. كل ذلك كي أحافظ على "النبتة" وأضمن "البذرة"، وأصون التراث، ولا أقطع الجذور..!!
فمن لا جذور له.. لا حياة له.. فالشعوب التي لا جذور لها تشعر بعقدة نقص كبيرة تنعكس على حياتها وأسلوبها! وتصرفاتها، وتعاملها مع الآخرين..!!
إذ ليس بالتكنولوجيا والمال وحدها يحيا الإنسان..!! بل بالجذور.. وحمايتها، وصيانتها، والحافظ عليها، وسقايتها، والعناية بها.. واللغة والعادات والتقاليد هي جزء مهم من هذه الجذور..!!
ويا آباء المهاجرين والمغتربين رحمة بالجذور.. الجذور.. الجذور لا تنسوها..