في دائرة الشوف – عاليه، إشتباكٌ "إنتخابي" جِدِّي، محوره بين طرفين: الأول الحزب التقدمي الإشتراكي بشخص رئيسه النائب وليد جنبلاط، والطرف الثاني الحزب الديمقراطي اللبناني برئاسة وزير المهجرين طلال ارسلان. وحكماً، لم ينجح هذان القُطبان "الدرزيان" في تحقيق تحالفٍ إنتخابي، وشكَّل ذلك إنعطافة سياسية مفصلية. عندها، قرَّر جنبلاط الإرتكاز على تحالفه التقليدي مع تيار "المستقبل" و "القوات اللبنانية"، فيما فشلت كل المساعي لتحالفه مع التيار "الوطني الحر"، رغم العروض العديدة التي قدمها للأخير. أمَّا ارسلان، فنجح في جذب "الوطني الحر" نحوه، واستطاع نسج التحالف الإنتخابي مع تيار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي تفرقه عن جنبلاط الكثير من التناقضات.
قبل أشهر، التقى رئيس التيار "الوطني الحر" وزير الخارجية جبران باسيل جنبلاط، وكان تأكيدٌ على أنَّ العلاقة مع "الإشتراكي" قائمة ومستمرة. إلاَّ أن ذلك، لم ينعكس "إنتخابياً". وقبل هذا اللقاء، وصل الصراعُ بين "الإشتراكي" و "الوطني الحر" إلى أعلى مستوياته، وبرز ذلك في خطابات السياسيين، وتحديداً بين وزير الطاقة سيزار أبي خليل والنائب علاء الدين ترو، حيث تبادل الطرفان الإتهامات بالفساد والمحسوبية.
ومع هذا "التراشق"، أتت زيارة باسيل إلى إقليم الخروب، أحد معاقل "الإشتراكي" الأساسية، وأعلن أن تياره سيكون "التيار السني الثاني". كلُّ ذلك، يقودنا إلى استنتاجات عدَّة، وأبرزها رغبة "الوطني الحر" في إعادة تكريس المارونية السياسية في الجبل، واستعادة دور المسيحيين بعدما همشهم إتفاق الطائف بعد الحرب الأهلية، ووضع نفوذ جنبلاط حداً لهم. هذه الخطوة، لن تكون إلاَّ مع ارسلان، الذي يجدُ في حلفه مع "الوطني الحر" منصةً لتطويق جنبلاط سياسياً، وفرض قوة درزية وازنة إلى جانب قوة الأخير. ولذلك، فإنَّ سعي جنبلاط قائمٌ إلى حدٍّ كبير لتثبيت زعامة نجله تيمور، والعمل على تحضير الأرضية المناسبة لتسليمه مقاليد السلطة بعده.
وهنا، يتكثف الجهد إنتخابياً في وجه اللائحة التي يرأسها ارسلان، والأخرى التي يرأسها وهاب، كون جنبلاط يعتبر، بحسب مقربين منه، أنَّ "المعركة فعلاً تهدف إلى إلغائه وتطويق نفوذه"، ويرى أنَّ "الهدف الأول هو ضرب الرموز الأساسية في اللوائح المنافسة، وذلك بهدف إضعاف نفوذهم". وبالفعل، استغلَّ جنبلاط هذا الأمر "شعبياً"، وهو يسعى بكل الوسائل الممكنة والمتاحة لرفع الحاصل الإنتخابي للإئتلاف مع "المستقبل" و "القوات". وبنظره، فإنَّ هذين الطرفين لا يشكلان خطراً عليه، لا بل يعتبر أنَّ "المستقبل" بحاجةٍ إليه، كما "القوات"، في الشوف وعاليه، وإن اختلفت الطرق والسبل لتحقيق أهدافه الإنتخابية، فإنَّ المعركة التي يريدها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع جنبلاط لن تظهر معالمها إلاَّ في المرحلة المقبلة، والأيام ستشهدُ على مخاضٍ سياسي جديد عنوانه: صراع جنبلاط – عون.