يُجمع الباحثون على الدور المحوري الذي يلعبه الإعلام في بناء الصورة الذهنية للشخصيات السياسية، وفي التأثير في العملية الإنتخابية، ولطالما أبدع الإعلام في دوره هذا في أعظم المسارح الديمقراطية في العالم، وساهمت تقنيات التسويق السياسي في صناعة رؤساء جمهوريات الدول المتقدمة.
في لبنان أيضاً تساهم وسائل الإعلام في تسويق المرشحين وبرامجهم كجزءٍ من دورها وعملها المشروع، ولكن هذا الدور بدأ ينحرف عن مساره في بعض البرامج والحملات الإنتخابية الحالية، بحيث نشهد محاولات استيراد نماذج تسويق غربية وتشويهها، من دون الأخذ بالإعتبار الفوارق بين لبنان ودول متقدمة، وبين أولويات الناخب اللبناني والإميركي على سبيل المثال، بحيث يظهر المرشحون في بعض البرامج بإطلالات أشبه بعروض السيرك، وكأنّ لبنان واقتصاده ومعيشة أبنائه بألف خير ولا ينقصنا سوى المرشح"المهضوم" ليكمل هناء عيشنا. وفي هذه الحالة تقع على السياسي والإعلامي مسؤولية تفاهة الرسالة الإعلامية، التي تهبط من مستوى تثقيف الناخب إلى تسخيفه.
نرى تلك المذيعة تستضيف"صاحب السعادة المحتمل"، تستعرض وإياه حديقة قصره، تدخل إلى المطبخ حيناً وإلى صالون العائلة أحياناً، وأخرى تقلّه في السيارة وتعرض عليه "البوظة"، ولست أفهم ما هم الناخب إذا ما نجح الأول في إعداد طبق "الباستا"، والثاني في مسيرة الركض في الحديقة، والثالث في تناول "البوظة" والرابع في قيادة السيارة !!
ألا يحق لنا كناخبين أن نعرف كيف سينجح هذا وذاك في تحسين التغذية بالتيار الكهربائي؟ ونقول "تحسين" لنبقي طموحاتنا على أرض قدراتهم. ألا يحق لنا كمشاهدين أن نسمع من يطمئننا بأننا لن نموت على أبواب المستشفيات بعد وصولهم إلى المجلس النيابي،ل أنّنا لا نملك الدولارات "الحرزانة" التي تشترطها معظم مستشفيات لبنان ؟ ألا يحق لنا أن نسمع إعلاميي الشاشات يسألون ضيوفهم كيف لهم أن يضعوا حداً لهجرة أولادنا؟ بأي مشاريع سوف يكافحون البطالة ويدخلون خريجي الجامعات إلى سوق العمل؟ وكيف سيقفون في وجه سلطة التجار وصفقات إدخال المبيدات الزراعية المسرطنة؟ أيجوز لنا أن نسأل كيف سيوفرون حق السكن بعد إيقاف القروض السكنية المدعومة؟ وكيف سيخفضون معدلات مسببات السرطان في لبنان، وهي الأعلى في العالم بفضل مياه ملوثة من هنا ومطامر من هناك؟ وكيف وكيف وكيف ...
كل هذه الأسئلة "تفاصيل" لا طائل منها. فالأهم يكمن في قدرة حسناوات الشاشة على استضافة شخصية "عبقرية"، لتنجح تلك البرامج بإيهامنا بأنّنا نعيش في ربوع بلد يحتل صدارة الدول المتقدمة، ويحقق اقتصاده نمواً باهراً يضاهي اقتصاد اليابان،وبأنّ صادراتنا الصناعية تحجز مكاناً في الأسواق الدولية وتساهم في رفع معدلات النمو، وبأنّ كلّ ما نسمعه عن تلف منتوجاتنا الزراعية لعدم قدرة الدولة على تصريفها، أو إعادتها إلينا من دول مستوردة لإحتوائها على كميات غير مسموحة من المبيدات. أمّا أن مرافقنا السياحية تكاد لا تتسع للسياح وحجوزاتهم، ووسائل النقل والقطارات السريعة تصل المناطق اللبنانية ببعضها البعض.
ولأنّنا نحيا في نعيم شعبي تنحصرمهمة الإعلام في تقديم الوجه الآخر للمرشح، الوجه الحبوب والحنون و"النكتجي"، فنتناسى أو ننسى ونحن نشاهد إبداعات الشاشة حاجاتنا إلى أدنى مقومات العيش، ونحطّ في العالم الإفتراضي لنتحف "الفيسبوكيين" بآرائنا حول تلك "الإعلامية الناجحة"، التي تمكنت من تسليتنا وبدت وضيفها "فراندلي" وغاية في اللطافة، وهكذا نتساوى نحن الثلاثة في تسخيف القضايا والبرامج.
أمّا "السكوب الحقيقي" في المشهدية الإعلامية النموذجية هذه فيكمن في قدرة الإعلامي على مباغتة الضيف باتهامات خصومه.. "الحزب الفلاني نعتكم بالفاسدين..ما هو ردّكم؟" سؤال يكاد يكون موحداً بين البرامج التلفزيونية التي تستضيف مرشحين مسبقي الدفع، وبحسب الفاتورة يثقّل عيار الأسئلة أو يخفف، وبالطبع يبرع المرشحون في تأجيج المذهبية واستدعاء الطائفية والمناطقية وبث رسائل الحقد والتسميم ونبش القبور.. وكلّها أسلحة مشروعة في "حروبهم الكونية" لتحصيل حاصلٍ من هنا وصوتٍ تفضيلي من هناك. وفي النهاية يمضي فلان وعلتان يداً بيد لاستكمال توظيفات وصفقات وتنفيعات قبل الموعد المنتظر في السادس من أيار،ع لّها تُصرف في صناديق الإقتراع، بكل شفافية وديمقراطية .
بالله عليكم ارتقوا بالإعلام إلى قضايا الوطن والمواطن، حرروا الشاشة من عاشقي الأضواء، واعيدوا للكلمة والصورة محترفيها، فلوسائل الإعلام قدرات هائلة في تكوين الرأي العام .