تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

تأجيل القرار يقتل صاحبه

Lebanon 24
17-04-2018 | 00:54
A-
A+
تأجيل القرار يقتل صاحبه
تأجيل القرار يقتل صاحبه photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "تأجيل القرار يقتل صاحبه".

يضطر الإنسان أحياناً، تحت ضغط الظروف، أن يتهرب من التزامات معينة، كاتخاذ موقف ما أو قرار ما، حول موضوع ما.

ويعكس هذا الهروب - الهروب من اتخاذ القرار - على النفس بعض القلق، الذي هو نتيجة الدور الذي يلقيه العقل الباطني في حياة الإنسان، الدور الذي يقوم به حامل راية الحق والحقيقة، ويدق علينا بأجراسه دائماً، وهو يدلنا على الطريق السوي، ويرشدنا على ما يجب أن نفعله ولا نحيد عنه..

والإنسان بطبعه يلجأ إلى التماس الأسباب لتهربه عن اتخاذ المواقف، ويميل إلى تأجيل القرار متذرعاً بمختلف الأسباب المنطقية، لكي لا يعبر خط النار الذي يتصوره واهماً في خياله بأنها النار المحرقة إن اتخذ هو القرار الحاسم أو أعلن عن الموقف المطلوب. والقرار الحاسم هذا كم يبدو هزيلاً وقزماً بعد أن ينجزه الإنسان ويلعنه، وكم يبدو عملاقاً وهاجاً إن حاول أن يماطل فيه، أو يتهرب منه، فيلجأ إلى التأجيل والمراوغة، فيتحول في نفسه إلى مشكلة - مشكلة تعيش في أعماق نفسه، تلاحقه ليل نهار لأن وراء هذه الملاحقة - كما أشرنا - ذلك الشبح المخيف، المتمثل بالعقل الباطني الذي هو بحد ذاته مشكلة الإنسان الأساسية.

إن الشاعر الإنكليزي الخالد وليم شكسبير، يقول: "ليس هناك من خير وشر" وإنما هناك تفكير نملكه هو الذي يجعله شراً أو خيراً. أي بعبارة أخرى، كلما طال تأجيلنا للشيء، كلما بدأ لأعيننا شراً مستطيراً، نخافه ونخشاه. والطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هو اقتحام الموقف، وتفجير القرار بسرعة ودون تفكير. وطالما نجد أنفسنا في خضم البحر لا بد لنا من السباحة حتى لا نغرق.. لماذا لا نسبح ونعوم ونجتاز المسافة الفاصلة بين القلق والراحة؟ سواء كانت نتيجة أعمالنا ناجحة أو فاشلة فإن خوفنا منها في البداية أسوأ من أي فشل قد يواجهنا في الواقع، ويكفينا عزاء في حالة الفشل، أن أكثرنا يفشل في فترة من حياته، ولنا من قصص العظماء كثير من العبر والأمثال. فكم من الساسة الكبار أو المخترعين البارزين والرحالة والمكتشفين كانوا فاشلين في دراساتهم التقليدية أو في ناحية من نواحي حياتهم أو أعمالهم، ثم برزوا في ميادين أخرى، وانتشرت شهرتهم، وعمت الآفاق.

إن المشكلة الأساسية تكمن في الأرجاء والمماطلة في الهروب من اتخاذ القرار، أو اللجوء إلى تأجيله وهما يؤديان إلى تبديد الوقت وإضاعته، فما هو قائم الآن يصبح غداً في خبر كان! وإذا لم نمسك بزمام الأمور الآن ضاعت الفرصة. فالقصور عن اتخاذ القرار قد يؤدي إلى الندم والحرمان، وتذكر أنك إذا أطلت التفكير، ذهبت الفرصة المتاحة لك، إلى غيرك الذي أمسك بها وهي ما زالت ساخنة ولم يخشى على يديه من الاحتراق.

وقديماً وحديثاً قالت العرب: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد. ذلك أن عملية التأجيل هذه تجعلك غير قادر على الاستفادة من الفرص التي قد يأتي بها الغد، وإنك بالتأجيل تقتل الوقت، ولكنه في النهاية يقتلك!.. نعم كثير من التأجيل والتردد في اتخاذ المواقف يغذي الجرثومة، ويكبر الورم ثم ينفجر..

يقول الطبيب النفساني (الدكتور جون نيكولسون) مؤلف كتاب "عادات" لا يمكننا التغلب على التردد في اتخاذ القرار بين ليلة وضحاها، ولكن الأمر يحتاج إلى عملية تدريجية نتحدى فيها نفسنا شيئاً فشيئاً كل يوم حتى تصبح عادة متأصلة فينا.. فالمواجهة والتحدي خير من الانتظار والقلق، والقلق بحد ذاته يبدد الطاقات والدخول في المعركة الحياتية يوماً بعد يوم خير من الوقوف على هامشها.. وتلقى ردود أفعال الغير، ومسايرة قرارات الآخرين دون أن يكون لك فعل وقرار خاصين بك..

عزيزي القارئ...

في أعماق كل منا، قرارات نائمة في إحدى زوايا أنفسنا، قرارات تعيش في الظلمة، وتحاول أن تتحرر مما نسجه العنكبوت عليها من خيوط، تود لو تنطلق، أو تخرج إلى النور، ولكنها لا تجرؤ على ذلك، فسلطان الخوف مسلط عليها، وكابوس التردد والتأجيل يضغطان. ولو انطلقت واحدة من هذه القرارات النائمة المضطهدة، لكان في انطلاقها النور الذي يضيء الطريق للتائهين، والأمن الذي يخيم على الخائفين المترددين.

ترى متى تنطلق واحدة من هذه القرارات حتى تشيع الأمن في النفوس.

Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Lebanon24
00:23 | 2026-10-19 Lebanon 24 Lebanon 24
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك