تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

ما يحصل في المآتم ومجالس العزاء قد يكون خطيراً "يا محلى أيام زمان"!

ربيكا سليمان

|
Lebanon 24
18-04-2018 | 05:53
A-
A+
ما يحصل في المآتم ومجالس العزاء قد يكون خطيراً "يا محلى أيام زمان"!
ما يحصل في المآتم ومجالس العزاء قد يكون خطيراً "يا محلى أيام زمان"! photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

يقال إنه على المفجوع برحيل شخص ما، سواء كان قريباً أم بعيداً، أن يرى الجثمان ويشارك في محطة الوداع الأخيرة وصولاً إلى الدفن. إنه أسلوب "صحيّ وإيجابيّ" من الناحية النفسية. ووفق القاعدة ذاتها، على المفجوع أن يبكي ويُفرج عن كلّ عواطفه ومشاعره، من دون اي قيود أو حدود قاسية، وإلا فالعواقب قد تكون سلبية جداً. لكن ما بات رائجاً في أيامنا الحالية، يخالف هذه "القواعد" التي يدعو علم النفس إلى اتباعها، ذلك أن ما يحصل في المآتم ومجالس العزاء لا يصبّ أبداً في مصلحة المفجوع، وقد يوصله إلى حالات مرضية تستدعي العلاج!

المشهد يكاد يكون نفسه في كل مجالس العزاء بوفاة شخص: عائلة الفقيد منهمكة بتفاصيل شتّى بدءاً من إحضار الطعام مروراً بتقديم القهوة وصولاً إلى مشاركة المعزين بأحاديثهم الخارجة عن سياق المصاب الأليم! أكثر من ذلك، فإن عبارات معيّنة وتصرفات محددة باتت شبه قائمة في كلّ هذه المحطات، ومنها ردع المفجوع عن الصراخ أو البكاء وحضّه على التماسك والتحلي بالصبر!

النتيجة؟ فجعٌ قد يؤجل، وأمراض نفسية قد تظهر، وقد تكون نتائجها خطيرة!

هذا ما يؤكده الطبيب والمعالج النفسي مرام الحكيم في حديث لـ "لبنان24" لافتاً إلى أنه "للاسف، فإننا لا ندرك أهمية العواطف التي يشعر بها الفرد عند حدوث الموت، بل بالأحرى أهمية "تصريفها" من أجل المرور بمرحلة الحزن بطريقة صحية وسليمة".

والموت تجربة إنسانية صعبة ومؤلمة، لكنّ الإنسان يحزن من أجل هدف أخير: انتهاء هذا الحزن. يقول الحكيم: "عندما لا نستطيع أن نحزن بطريقة طبيعية وصحية، ستكون ردات فعل جسدية ونفسية حتماً كوننا لم نقدر على تصريف طاقة الفجع والحداد".

في العام 1969، صدر لطبيبة النفس السويدية إليزابيث كوبلر روس Elisabeth Kübler-Ross كتابٌ بعنوان "عن الموت والوفاة" استوحته من عملها مع مرضى العضال، وعرضت فيه ما بات يُعرف بـ "نموذج كيوبلر روس" والذي يصف خمس مراحل يمرّ بها الإنسان لدى اختباره حزناً ناتجاً عن مصيبة، وهي الآتية: الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، وأخيراً التقبل.

لكن بحسب الحكيم، بيّنت الدراسات والمتابعات أنّ المرور بهذه المراحل كلّها ووفق تسلسلها المذكور ليس قائماً دائماً ومعمماً على جميع الأشخاص حكماً، بل إن البعض يمرّ ببعض هذه المراحل والبعض الآخر قد يختبرها جميعاً، علماً أنّ التسلسل الذي وضعته روس ليس بدوره ثابتاً في كلّ الحالات.

إذاً، الموضوع يتعلق بتجربة كلّ فرد، لكنّ ما يمكن لحظه من عوامل مشتركة لدى الجميع هو القيام بردود فعل للتعبير عن الحزن، وفي حال لم يمرّ المفجوع مطلقاً بأي من هذه المراحل، فالأرجح أنه سيعيش حالة تعرف بـ "الفجع المتأخر" ( Delayed grief)، والتي قد تتطوّر إلى حالة مرضية تستدعي العلاج.

 

من الضروري إذاً أن يحزن الفرد بطريقة صحيحة، أي عبر الإفراج عن كل المشاعر من دون قيود، ومن دون القيام بعمليات ذهنية للتعامل مع الموت مثل النكران والتفاوض مع الآلهة وخلق الأعذار والتبريرات، لأنها وسائل دفاعية تحدث في اللاوعي ولا تساعد على التخلص من الحزن بالطريقة المثلى بل تساهم في تأجيله.

لكن ماذا يمكن أن يمنع الشخص من أن يحزن بطريقة صحيّة وسليمة؟

بحسب الحكيم، هناك عدّة عوامل وأسباب ومنها مثلاً الخسارة الكبيرة بمعنى أن يكون الشخص متعلقاً عاطفياً أو مادياً أو الاثنين معاً بالفقيد لدرجة يصعب "هضم" هذه الخسارة التي تكون أعظم وأكبر من قدرته على التحمل، فيعمل لاوعيه على وضع الحزن على الرّف. ويلعب المجتمع ايضاً دوراً في الحؤول دون إتمام عملية الحزن بشكل سليم، سيّما عندما يطلب المحيطون بالمفجوع منه التحلي بالقوة والصبر وتمالك النفس وعدم البكاء لأن في الأمر عيب أو ضعف برأيهم، أو لأنهم يسعون إلى التخفيف عنه ومواساته بعبارات مثل "هيدي حال الدنيا وكلنا على هالطريق" ظناً منهم أنهم يساعدونه على تخفيف حدّة الألم. لكنّ الحقيقة العلمية أنّ كلّ هذه السلوكيات مؤذية.

الأنكى من ذلك، هو ما يحدث في مجالس العزاء عندما يصرّ البعض على الغوص في أحاديث جانبية وعامة مثل التطرق إلى أوضاع البلد والسياسة والاقتصاد. بحسب الحكيم، فإن ما كان يحدث في الماضي وفق التقاليد القديمة هو الأنسب والأصحّ: "كان يؤتى بشخص إلى مجلس العزاء ليقوم بمهمة إعادة تذكير الموجودين بضرورة أن يحزنوا ويبكوا عبر تصويب الحديث ليدور حول الفقيد والمأساة. اليوم، نراهم للأسف يوزعون المهدئات، ويلهون أهل الميت عن إتمام "مهمة" الحزن بالشكل الصحيّ".

والحاجة إلى الحزن مثلها مثل الحاجة إلى تناول الطعام وشرب المياه، أي انها حاجة بيولوجية يجب ألا تُحدّ أو تقمع. في حالات الحزن المؤجل، يعمل الجسم والدماغ على إرسال إشارات إلى الشخص لتذكيره بضرورة إفراغ المشاعر، وذلك من خلال أوجاع جسدية متفرقة أو خلل في النوم والطعام….

خطورة الحزن المؤجل أنها قد تتحول اكتئاباً، أي حالة نفسية تستدعي تدخلاً طبياً لأن عواقب عدم علاجها قد تكون قاسية بما فيها الوصول الى الانتحار.

وبجسب الحكيم، فإن "الإنسان يحزن بحسب مقدرته على ذلك، وبالتالي لا خوف عليه من فجع غير محتمل". ومن هنا نرى أنّ المحزون يمرّ في "هبّات" من البكاء أو الصراخ أو الغضب، ثم يهدأ، ثم يعود إلى حالة الحزن والتعبير عن المشاعر، وهكذا دواليك.

ليس علينا إذاً أن نتدخل لوقفه عن ذلك، بل على العكس علينا أن نحضه على فعل ما يريد. التوازن طبعاً ضروريّ بمعنى أن نكون حكماء لنعرف متى يجب أن نتدخل عندما يصبح الألم قوياً، لكن دائماً علينا احترام عفوية المشاعر وعدم إلهاء المفجوع بأمور جانبية

فقط في حالات الأشخاص الذين نعرف مسبقاً أنهم يعانون من أمراض نفسية أو يمرون بحالات نفسية دقيقة، تكون المقاربة مختلفة، ويجب التعامل مع الموضوع بطريقة علمية ودقيقة أكثر.

وفقط عندما يحزن المرء بطريقة صحيحة يمكن أن يفتح صفحة جديدة بعد تجربة الموت، وإلا فقد يصبح الفجع ظلاً ثقيلاً، متعباً وخطراً!

 

Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك