الزمن، "زمن انتخابات". وفيما تغزو شعارات المرشحين، الحزبيين بخاصة، شوارع لبنان وواجهات محلاته وعواميد الكهرباء شبه المعطلة، ثمة صورة يتداولها اللبنانيون عبر مواقع التواصل الإجتماعي والواتساب تُبيّن كيف سيكون لبنان بعد انتهاء الاستحقاق النيابي، وذلك بناء على وعود وشعارات السياسيين والطامحين إلى مقعد في البرلمان: أشبه، بل أعظم من سويسرا الغرب!
التداول بهذه الصورة المرفقة بعبارات التحسّر أو وجوه "السمايلي" غير الضاحكة قلباً لا قالباً، إنما تؤشر إلى انعدام ثقة المواطن اللبناني بكل الوعود والتعهدات و"الأحلام" التي يطلقها ويرسمها المرشحون عشية الانتخابات النيابية. يدرك اللبنانيّ، في قرارة نفسه، أنّ الأحزاب السياسية، لا سيّما منها تلك التي كانت في السنوات الماضية في الحكم، إنما ترفع شعارات مضخمة ومفخمة وتكاد تكون غير قابلة للتحقق مهما حصل، فيما تشبه برامجها الانتخابية قصائد لا يليق بها إلا الصفحات والحبر.
الأنكى أن أحداً ممن كان في الحكم مؤخراً، أي في السنوات التسع الماضية التي فرضوا أنفسهم في خلالها على الشعب بفعل تمديدات البرلمان، لم يقف عشية الانتخابات النيابية ليتقدم باعتذار من اللبنانيين ويطلب منهم السماح والغفران. أحدٌ لم يقرّ بمسؤوليته عن تجاوزات واقترافات وعجائب وانتهاكات وفضائح سجلها عدّاد الماضي القريب، ولا تزال حتى الساعة تنهش قلوب الناس وعقولهم وأرزاقهم وصحتهم.
والحال أن قسماً كبيراً من اللبنانيين ما عادت تحركّه الخطابات الرنانة، ولا هو بوارد أن يصدق كلّ ما يتفوّه به الطامحون إلى البقاء في الحكم رغم روائح الفساد والاهمال والتقصير التي تفوح من حولهم.
قد يكون من باب الذكاء أو التذاكي، مخاطبة هؤلاء اللبنانيين بلغة واقعية أو على الأقلّ تحاكي همومهم وهواجسهم اليومية. ولعلّ التعهد بالقيام بإجراء بسيط ما، أعظم من وضع مشروع ضخم قد يصبح في أي لحظة في خبر كان، أو قد يولد مشوّهاً!
بات بعض اللبنانيين يحلمون بأن يعدهم مرشح "مخضرم" للانتخابات النيابية بوضع سعر للأكياس البلاستيكية التي كانت في السابق تقدم مجاناً في السوبرماركت والمحلات التجارية، كما دأبت السويد على فعله! فهناك، في أرض "الفايكينغ" الذين اشتهروا تاريخياً بالعنف والحروب وصولاً إلى ما أصبحوا عليه من شعب حضاريّ مسالم، لم تعد الأكياس البلاستيكية في متاجر الملبوسات والأحذية حتى...مجانية! هكذا، وبعد أن كان هذا الإجراء يقتصر على السوبرماركت، بات على ما يبدو معمماً في كل مكان، في محاولات دائمة وواضحة للحفاظ على البيئة. تذهب لتشتري سندويشاً، وفيما تهمّ بسحب المناديل الورقية تتفاجأ بورقة كتب عليها "لا تأخذ أكثر من احتياجاتك. فكّر في البيئة"! تتمشى في مدينة "غوتنبرغ" التي تساوي مساحتها مساحة لبنان، فتطالعك لوحة كبيرة على الشارع، وعنوانها العريض:" قريباً سنصبح حاضرين لمئة عام جديدة"! أما الهدف منها فهو إعلام المواطنين بأن أشغال إعادة بناء جسر Vasabron جارية على قدم وساق، وبأنه سيحافظ على شكله الحالي (باستثناء زيادة متر واحد على عرضه) لكنه سيكون قادراً على تحمل أثقال وسائل النقل لعدة سنوات إلى الأمام!
في المحصلة، يُجبر السويديون الذين باتوا عملياً "ملكيين أكثر من الملك" عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على البيئة، يجبرون على المساهمة في حماية البيئة والحدّ من استهلاك المواد وانتاج النفايات، بخاصة وأن "القصة دقت بالجيب"!
ولعلّ إسقاط هذه الوقائع على موضوع يتعلق بالانتخابات النيابية في لبنان، ليس عبثياً. لحظة تعمق وتفكير في الرابط بين الموضوعين ستفضي إلى أنّ المطلوب في لبنان هو البدء بالتغيير الفعلي والحقيقي وليس التلهي بالشعارات الشبيهة بفقاعات الصابون.
ثم أنّ التعهد باتخاذ إجراءات قابلة للتنفيذ وفعالة، أليس أفضل من طمس الحقائق أو تجاهلها، تماماً مثلما يحصل في موضوع النفايات التي نعرف جميعاً أنه لا يزال من دون جلول جذرية، رغم غياب أكوام الزبالة عن الشوارع؟!