المعركة الانتخابية الحالية ليست كبقية المعارك. إنها معركة مسطحة، واضحة الخيارات: إما أبيض أو أسود، يفرض آليتها قانون الانتخاب القائم على النسبية الذي يمكن وصفه بدعوة الجميع إلى المائدة، ولكل حصته من الغذاء.
ولم تعد خافية الآلية المطلوب اعتمادها لتحصيل بضعة مقاعد لم يعد حجمها يفي بالمطلوب خصوصا لمن تعود على الكسح، وحسم النتائج بصورة قاطعة، وتشكيل كتل نيابية كبيرة على غرار النظام الأكثري السابق الذي اتسم بصفة المحادل الانتخابية التي أثمرت كتلا سياسية شبه لاغية للآخرين.
تتطلب الآلية الجديدة تقنيتين اساسيتين، تحشيد العدد الأكبر من الأصوات تحصيلا لأكبر حاصل انتخابي، وفي ذلك منفعة لمختلف مرشحي لائحة معينة، أولا، وتحشيد الكم الأكبر من الأصوات التفضيلية لمرشح معين، ثانيا. بذلك، يلعب التحالف دورا جزئيا في المعركة لجهة تأمين الحاصل الانتخابي، وليس من معنى آخر للتحالف، لذلك تمضي المعركة بمبادرات فردية للمرشحين، كليسعى لتأمين أصواته التفضيلية، التي وغن كانت تخدمه حصرا، لكنها تخدم لائحته بصورة غير مباشرة أيضا، برفع الحاصل الانتخابي حتما.
الكتل السياسية مفروزة بصورة شبه تلقائية، والجمهور العريض موزع بين القوى المعروفة بخارطة غالب خطوطها واضح، فلا مكان لحزب الله وحركة أمل لا في الطريق الجديدة، ولا في جونية، أو طرابلس، أو عكار، ولا مكان لتيار المستقبل في الضاحية وقرى الجنوب بصورة عامة، ولا في كسروان، كذلك لا مكان للتيار الوطني الحر مكان لا في الطريق الجديدة، ولا في قرى الجنوب، ولا في طرابلس.
لكل كتلة مربطها، وجمهورها المحجوز عليه بطبيعة التركيبة الديمغرافية للبلد، المتوازية مع تركيبة قانون الانتخاب الذي يدعو غالبية المرشحين لمائدة المجلس النيابي بصورة شبه جلية قبل حصول الانتخبات وبروز نتاج فرز الصناديق.
أما القليل المبهم فيتركز على الكتلة الحيادية التي لم تقرر حسم خياراتها بعد، او على الاقل لم تفصح عن حقيقة نيتها.
يلعب تراجع الخطاب المذهبي دورا في إضعاف القدرة التعبوية لتيار المستقبل لأن بقية اللوائح المواجة لتيار "المستقبل" ولدت من رحم 14 اذار، وينعكس ذلك في دوائر مختلفة مثل بيروت، وطرابلس، وعكار حيث يخوض "المستقبل" المعركة بمواجهة كتل وتحالفات ومراكز قوى مثل "الجماعة الاسلامية"، والوزير اشرف ريفي، ومصباح الاحدب في طرابلس، وصلاح سلام، وفؤاد المخزومي، ونبيل بدر في بيروت.
ولا بد من التوقف مليا عند غياب الخطاب الطائفي، وانعكاس ذلك على تيار المستقبل الذي كان أكثر من استخدم هذه النزعة في السابق، وهو يفتقدها اليوم خاسرا أحد أهم أسلحة المعركة.
وإذا اضفنا إلى ذلك كله، تخلي تيار "المستقبل" عن مختلف القوى الاسلامية، نجد أن ظروفا ومستجدات تضع "المستقبل" امام مرحلة مصيرية، يواجه أثناءها تحديات كبيرة، وبروز مراكز قوى لا يستهان بقوتها، ففي طرابلس بات تيار العزم يتقدم، ويسجل نقاطا على خصومه، ومن المؤكد أن استطلاعات الرأي تعطيه أرجحية الفوز ب 4 مقاعد، ولديه حظوظ بالحصول على مقعد خامس، كما ان اللواء ريفي قد يفوز بالمقعد العلوي كونه سينال الكسر الأكبر، وبالمقابل سيكون لدى لائحتي كرامي وكمال الخير قدرة على المنافسة، بالرغم من ان البلوك العلوي سيكون الى جانب لائحة كمال الخير، دون أن يغير ذلك من قدرة لائحة فيصل كرامي بالحصول على مقعدين، بالاضافة الى إفساح المجال أمام لائحة مصباح الاحدب مع الجماعة الاسلامية للسعي للحصول على عدد من الاصوات لتجاوز العتبة الانتخابية.
وإذا تمعنا في كل هذه اللوائح، نراها في نهاية الامر قد شتت اصوات جمهور 14 اذار.
المنطق عينه ينسحب على واقع تيار المستقبل في عكار الذي يرتقب أن يتعرض الى انتكاسة غير متوقعة، بحيث سيفقد ثلاثة مقاعد حسب كل المؤشرات، إذ تشير المعلومات ان وجيه البعريني يتقدم على طارق المرعبي ب 3000 الاف صوت، وعلى نجله وليد البعريني ب 3500 صوت، اي ان البعريني الأب قادر ان ينطلق ب 9000 الاف صوت. كذلك يظهر ارتفاع حظوظ محمد يحيى، ومحمد شديد اللذين يبدوان متقدمين على باقي المرشحين.
وبالنسبة لبقية الأسماء، فإن محمد سليمان يتمتع بحيثيه جيدة جدا، كما ان وضع كريم الراسي بات في وضعية تنافسية، وعلى الارجح حظوظه متقدمة على رياض رحال، هادي حبيش، وتبقى فرضية فوز المرشح العلوي … سلوم الاوفر حظا.
بذلك سيتراجع الوضع السياسي لتيار "المستقبل"، وستشكل منطقة عكار، الخزان البشري الذي رفد تيار المستقبل بقوته الأكبر، بداية لافوله التاريخي.
(سمير الحسن - كاتب وباحث استراتيجي)