قد يرى البعض في المشهد الانتخابي لمدينة طرابلس مشهداً اعتيادياً يتساوى فيه مع المشهدية الانتخابية لمعظم المناطق في لبنان، وأن تأثيراته في الواقع السياسي لما بعد الاستحقاق سيكون مكملاَ أو متمماً للصورة السياسية التقليدية، أي سيبقى على صورة ومثال ما قبل الانتخابات.
في حقيقة الامر، لا يمكن التعويل على قراءة عامة لصورة الواقع السياسي بعد الانتخابات دون النظر في تفاصيل نتائجها ودلالاتها وانعكاساتها. والاستحقاق الانتخابي في مدينة طرابلس ليس بالتفصيل العابر في المعادلة السياسة والسنية في لبنان باعتبار انها عاصمة لبنان الثانية وميزان الثقل السني وهي مرجعية لا يمكن تجاهل قرارها في رسم حكومات لبنان، وذاكرة اللبنانيين ليست بضعيفة وبالاخص الذاكرة الطرابلسية عندما بادر رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لمسك دفة التوازن السياسي والطائفي عبر توليه رئاسة الحكومة في العام 2010 بعدما وصل منسوب التوتر السني- الشيعي فيه الى اوجه. حيث لم يكن وقع ذلك سهل بلعه لدى رئيس الحكومة سعد الحريري وتياره الازرق فكان لطرابلس نصيبها من جولات العنف بقصد اسقاط الحكومة سامحين باستخدام المدينة صندوق بريد لتمرير رسائل محلية واقليمية، مستخدمين كل ما توفر من ادوات قولا وفعلا وممارسة محليا وخارجيا، كل ذلك في اشارة واضحة لعدم السماح لطرابلس ان يكون لها مرجعية ودور في صنع المعادلة السياسية نابع من صلب ابنائها ليبقى التهميش السياسي والاقتصادي عملة مربحة لاستمرار الهيمنة ومساحة خصبة للاستثمار كلما دعت الحاجة .
ومشهد اليوم لم يتغير كثيرا فالتيار الازرق حتى مع المرشحين على لائحته في طرابلس بدت التعليمات واضحة حيث لا صوت يعلو فوق صوت سعد الحريري ولا كرسي تتقدم على كرسي ابن العمة احمد الحريري ولا قرار أو حتى كلمة ولو بالهمس بعد كلامهم وقرارهم.
لاشك ان دوزنة اللعبة السياسية اليوم باتت صعبة على سعد الحريري في جميع المناطق وبالاخص طرابلس خاصة بعد ان تفلتت منه خيوط كثيرة نتيجة عدم الاتزان في ادائه السياسي على مر السنوات السابقة وهذا ما برز بشكل جلي مع هجومه وهجوم تياره المركز على "لائحة تيار العزم" التي يرأسها دولة الرئيس نجيب ميقاتي نظرا لما حملته هذه اللائحة من رسالة واضحة مفادها العمل على عودة طرابلس للمعادلة اللبنانية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا من خلال العمل على استعادة قرارها حيث لا للاستفراد ولا للتهميش ولا للوصاية، بما يحمل ذلك من دلالات على دور محوري جديد قد ينتظر طرابلس على عدة مستويات في الساحة الداخلية والخارجية .
أضف الى ذلك فان نتائج الانتخابات النيابية قد تحمل تغييرا ما في حجم الكتلة النيابية الزرقاء او في وجوه نوابها الا ان ما هو مؤكد ان المرحلة المقبلة تتطلب الكثير من العمل لاستعادة الثقة بحلفائها،حلفاء زمن 14 آذار،بعد ما تبين لهم ان تحالف الحريري معهم لم يكن سوى نزوة سياسية عابرة انتهت بتسمية الوزير سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية على ما يمثله من خط سياسي، ومن ثم ارساء تسوية قائمة على تسمية وانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية مقابل تولي الحريري رئاسة الحكومة ونسج تفاهم استراتيجي مع التيار الوطني الحرعلى ما حمل ذلك من انعكاسات في الاداء السياسي للحريري، كل ذلك كلف الحريري تقديم استقالته من الرياض ومن ثم عودته عنها بضمانة "الالتزام بسياسة النأي بالنفس" مقرونا باحتضان حزب الله له وغض طرف ومسايرة من تحت الطاولة حتى تمرير الاستحقاق الانتخابي. بالمقابل ليس مستبعدا فيما اذا استمر الاحتضان والمسايرة لاسباب خارجية وداخلية من ان يعيد التاريخ نفسه مع زيارة جديدة لسعد الحريري الى دمشق للاعتذار مجددا عن اتهامه سوريا باغتيال والده الشهيد رفيق الحريري وتجديد اعترافه بشهود الزور بقوله "انهم خربوا العلاقات اللبنانية السورية وأساؤوا الى البلدين "وفقا لما نقلته صحيفة الشرق الاوسط آنذاك عن اجواء زيارة الحريري السابقة ولقائه برأس النظام بشار الاسد، كما ليس مستبعدا ان نعود ونقرأ للحريري التصريح عينه الذي ادلى به في مقابلة مع الوكالة الايرانية عقب زيارة قام بها لايران في شباط 2010 اعتبر فيه "ايران معنية بكل مسعى لتوفير مقومات الاستقرار في كل بلدان المنطقة ومن ضمنها لبنان وان دورها في المنطقة هو دور طبيعي ينطلق من الوزن التاريخي والسياسي والاقتصادي لايران بهذا الحجم وبهذه العراقة الحضارية في الجوار العربي" وفي رد على سؤال عن اتهامه لحزب الله في جريمة اغتيال والده كان جوابه" نحن لا نتهم حزب الله في الاساس كي يكون السؤال قائما".
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)