كتبت جنى الدهيبي في "المدن": استطاع رئيس الحكومة سعد الحريري، أن يخطف أنظار مؤيديه ومعارضيه على حدٍّ سواء، خلال جولته الانتخابية في عاصمة الشمال الجمعة في 27 نيسان 2018. جولةٌ طويلةٌ قام بها الحريري، في الأسواق والقبة وباب التبانة والميناء والبداوي. وعند كلّ محطّة، كان في استقباله جمهور أزرق عريض، يهتف باسمه ويرحب به ويتهافت لالتقاط السيلفي التذكارية.
أراد الحريري من زيارته أن تكون ردّاً مدوياً على خصومه الشماليين، الذي يعتبر أنهم يشككون بقوّته وقاعدته الشعبيّة. بدا متحمساً بالتفاعل مع جمهوره، الذي خاطبهم بـ"أهل الوفا"، وأراد أن يثبت له بعفويته أنّه "الرجل الاستثناء" بسلوكه المرح ونمط تعاطيه معهم. تلقف المستقبليون هذا الجو، وأرادوا أن يثبتوا لخصومهم أنّ "الأزرق" في طرابلس حاضر بنبضٍ عالٍ ولا يمكن تجاوزه.
إنّها جولة ردّ اعتبار بوجه من يظن الحريري أنهم يتآمرون على تيّار المستقبل. لكنّها أيضاَ، لم تتخطَ في مضمونها الحيّز العاطفي الصرف. ربما لم يعد عجباً أنّ يغيب الخطاب السياسي عن جولات الحريري الانتخابيّة، التي يسعى من خلالها إلى استنهاض شعبيته عشيّة الانتخابات. العاطفة أقوى من السياسة. فالمفعول العاطفي لخطاب الحريري، الذي لم يتوانَ عن التذكير بمظلومية "والده الشهيد" وأنّ وجوده استكمال لـ"حلم رفيق" ومشروعه، غاب عنه البرنامج الانتخابي أو التطرق لآلية تنفيذ وبنود مشاريعه.
قد يعتبر الحريري أنّ وجود تيّاره في الشمال، هو برنامج انتخابي قائم بذاته. فـ"السادس من أيار سيكون تتويجاً لمسيرة رفيق الحريري وابنه سعد". هكذا صوّر زعيم المستقبل جدوى الاستحقاق الانتخابي لجمهوره، الذي لا يطالبه بأكثر من ذلك. توجه الحريري إلى مناصريه قائلاً: "حين يراكم البعض رح يفقع قلبو". وعدهم أن تُحدث خطّته للنمو الاقتصادي حركة تجاريّة في أسواق المدينة، ستخلق فرص عمل لأبنائها. كيف ذلك؟ لا يهم. الصدق هو الضمان. "سأبقى صادقاً معكم. ما أستطيع القيام به سأقوم به، ما لا أستطيع فسأقول لكم إنني غير قادر على القيام به".
في الواقع، جاء استقبال الحريري لكونه يحمل صفتين. صفة حكومية رسميّة تدير الانتخابات وتشرف عليها، وصفة حزبيّة تشكل مكوناً تنافسياً أساسياً بين المتخاصمين في الشارع السنّي. وفي كلا الصفتين التي كُرِّست فيها الأولى للثانية، بدا المشهد متناقضاً ومألوفاً معاً، استطاع رئيس الحكومة "المرشح" أن يستفيد منه ولو ظرفيّاً، قبل أن تحسم صناديق الاقتراع ما ستؤول إليه نتائج تحديد الأوزان والأحجام.
اللافت في جولة الحريري هو خطبة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار في صلاة الجمعة بحضور الحريري، إذ دعا المصلين وأهالي طرابلس إلى مبايعة الحريري والتصويت للائحته، انطلاقاً من قناعةٍ دينيّة ووطنية. "لا بد من إعلان موقف نعلم فيه الشهادة ونتحمل فيه المسؤولية". وإلى جانب تكريس مؤسسات الدولة ومرافقها وأجهزتها لـ"دواعٍ انتخابية" خدمةً للمستقبل وغيره من أحزاب السلطة، يعكس موقف الشعار الذي اتخذ منه طرفاً لمصلحة الحريري، أزمة المرجعية الدينية السنيّة، التي "اضطرت" خلافاً لغيرها من المرجعيات، إلى أن تقحم نفسها بالسياسة وتكون منحازةً عبر إعلاء شأن طرفٍ سياسيٍ على حساب آخر، من دون الحرص على البقاء على مسافة واحدة من الجميع.
تزامناً، مع الجولة الحريري، اعتصم أهالي الموقوفين الإسلاميين في ساحة النور، وحضروا صلاة الجمعة، للمطالبة بلقاء الحريري، من دون أن يتحقق ذلك. وهو ما رفع من استياء الأهالي الذين لم يأخذوا أيّ توضيح، ومن المرجح أنّ يعقدوا لقاءً معه في بيت الوسط الاثنين في 30 نيسان 2018.
ويستكمل الحريري جولته الشمالية اليوم السبت في 28 نيسان في المنية والضنية، قبل أن يختمها الأحد في 29 نيسان في عكار، وهي تبدو مقدمةً لأسبوعٍ أخيرٍ سيكون حامياً وصعباً في دائرة ستشهد أشدّ معركة سنيّة- سنيّة على زعامة الطائفة.
(المدن)