عشية الإستحقاق، وقبل التزام الصمت الانتخابي تنفيذاً للقانون القاضي بتوقف الحملات الإعلامية والإعلانية قبل 48 ساعة من موعد فتح صناديق الاقتراع، ثمة مؤشرات سلبية للغاية من تصاعد خطاب الانقسام وحملات التشهير وإثارة النعرات وتبادل الاتهامات والمواقف النارية التي يعكسها الخطاب الانتخابي تعبئة للناس واستثماراً لعواطفهم، تماماً كالمخاوف الناتجة عن استغلال السلطة وإمكانات الدولة في الأعطيات والمخالفات والارتكابات والتمريرات دعماً للوائح سلطوية بوجه منافسيها.
وبمقدار ما يخفي الخطاب المتوتر من مخالفات وتجاوزات، وخروجاً على القوانين وعلى الانتظام الوطني، واستهتاراً بعقول الناس وذاكرتهم، وخصوصاً إذا جاء ممن هم في السلطة والحكم، تبدو السلطة وكأنها لم تكتف من استغلال أيامها الأخيرة في تمرير دفعات من التعيينات الإدارية بغية استثمارها تعزيزاً ودعماً للوائحها، بل تسعى إلى تشويه صورة منافسيها بشكل يلامس الخطوط الحمر ويتنافى مع القيم والممارسات الديموقراطية.
وقد سبق لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط أن حذّر من أن "يزرع السياسيون الحقد والكراهية بين الناس، لأنهم يرتكبون بذلك جريمة بحق المواطنين الذين جمعهم الخبز والملح على مدى القرون"، داعياً لأن يكون "التخاطب الاعلامي هادئاً ورصيناً وبعيداً عن التشنج".
هكذا شكّلت الانتخابات النيابية، وخصوصاً أفخاخ القانون الذي تجري على أساسه وحمى الصوت التفضيلي، فرصة لأن يكشف كل طرف حقيقة ما يكنّه من مشاعر للأطراف الأخرى، حلفاء وخصوم، وهكذا أيضاً جرى استحضار كل شيء، كل الفزاعات والمخاوف والعنصريات. بركة الانتخابات ألزمت كثيرين بالنزول من أبراجهم العاجية والتذكر بأن الفضل في وصولهم يعود أولاً وأخيراً للبسطاء والفقراء الذين لم يملوا من سماع الوعود ومن اللعب بعواطفهم لإعادة انتاج سلطة سرعان ما تتنكر لكل ما قالت ووعدت، والانتخابات ايضاً دفعت بجماعات سياسية لتبني خطاب انتخابي يلامس عواطف الجمهور لكنه، للمفارقة، يناقض ممارساتها السياسية، فتراها تخوّف من طرف سياسي لكنها تتحالف معه وتعقد معه التسويات سعياً لتغطية السماوات بالأبوات.
وطالما أوحى الخطاب الانتخابي بأن البلد مقاطعات وملكيات، لا شيء يمنع من استمرار هذه الأجواء بعد 7 من أيار مع تشكيل الحكومة العتيدة بغية حجز هذه الحقيبة لهذا الطرف وتلك الحقيبة لذلك التيار، ورفض تولي حقيبة معينة والسعي لمنع تولي آخرين حقيبة أخرى.
هنا، لا يمكن لوم الطبقة السياسية، فهي تسعى لضمان مصالحها بأي ثمن، وبأي وسيلة، ثمة مسؤولية على الناخبين متى ركنوا إلى مشاعرهم فقط، من دون استعمال حقهم بالمحاسبة أولاً وباختيار الأفضل والأنسب ثانياً.
من اليوم وحتى السادس من أيار سنسمع ونرى، كما سمعنا وشاهدنا، غرائب كثيرة، من قبل المرشحين، وعلى الناخب أن يمعن النظر في الوضع الاقتصادي، والمعيشي، والتردي الصحي والتربوي والبيئي، وتراجع الفرص وانخفاض المؤشرات، قبل أن يمنح صوته. ليست الانتخابات ونزاهتها على المحك فحسب، مستقبل البلد والأجيال على المحك في انتظار أن تبيّن الصناديق الخيط الأبيض من الأسود.