كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "أنا أنفق فأنا إذاً أملك".
عندما يتحول المال إلى هدف.. وهدف فحسب.. وعندما يشحذ الإنسان مواهبه، ويسخر قدراته، ويوظف ذكاءه لامتلاك المال.. ثم يعمل على تخزينه وتكنيزه عندها يعتبر كل جهد وذكاء وموهبة هو قفزة في الظلام، وسقوط في المجهول وهبوط ووقوع في الفراغ.
ذلك أن المال له وظيفة اجتماعية يتحقق من خلالها هدف إنساني. ووظيفته تتجاوز حدود الفرد، لتبلغ قلب الجماعة وتمس حياتها، لتزرع فيها النماء والخضرة عندما تتعطل وظيفة المال الأساسية، يسقط القناع عن الوجوه فيطفو على السطح وهم قاتل، كأنه المخدر الذي يسري في كيان صاحبه ليحول كل شعور فيه إلى ضلال مبين.
أقول كما يقول الفيلسوف الوجودي سارتر: أنا أحيا فإذن أنا موجود.. أقول: أنا أنفق فإذن أنا أملك ما أنفقه.. إن الإنفاق وحده يترجم بدقة وصدق حقيقة التملك.. بل تقوم عليه فلسفة الملكية.
أما الأرقام المدونة والمجمدة لحسابك في البنوك فإنها حسب منطق وفلسفة التملك ليست لك.. وهي في واقعها أمانة يحفظها لك غيرك.
ففي اللحظة التي تأمر بتحريرها للإنفاق عندها تصبح ملكاً لك.. إن كل ملكية جامعة غير منتجة لا يعود ريعها نفع للمجتمع هي ملكية "سلبية".
فالملكية "الإيجابية" هي الملكية التي تتحرك لتعطي في العمق انتعاشاً وازدهاراً للفرد والمجتمع فالإنفاق المالي ينبغي أن يكون إيجابياً، فالحياة المتوازنة للفرد والمجتمع لا تتحقق إلا من خلال التعامل الذكي مع المال وبالمال.. إن الطموحات ينبغي لها أن تقف عند حدود متوازنة كي تحقق الكفاية والعدل.. إن محاربة الحقد والتصدي للشر الذي يسببه فوضى "الإنفاق" فضلاً عن التشنج الذي يحدث شرخاً في حياة الناس إنما يعود بالدرجة الأولى إلى سوء توزيع الثروة أنه يخلق "أوراماً" في خاصرة الفرد والمجموع.
وقد أدرك الفلاسفة منذ القدم هذه الحقيقة، فكتبوا وألفوا ونظروا وحاولوا أن يجدوا حلولاً أو ما يقرب من الحلول الواقعية لتوزيع الثروة.
كذلك الأديان السماوية والإسلام بصورة أخص أدرك الحاجات الأساسية للإنسان.. فوضع لها حلولاً وتوصيات وكانت كلها تصب في خانة تحقيق العدل والكفاية.
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (صدق الله العظيم).