بعزم وعزيمة، بصدق وإرادة، بقناعة ووفاء، فاضت طرابلس والضنية والمنية أمس بمحبين وأوفياء لقول "نعم" كبيرة ومدوية للائحة العزم التي يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي. الصورة معبّرة، والمشهد حمل دلالات عديدة، وبعث بأكثر من رسالة.. أما الحشد فأحرار وأوفياء يرفضون التهميش والحرمان والتغييب.
"نعم" كبيرة قالتها طرابلس أمس للرئيس ميقاتي؛ للشخص والمشروع، للرؤية والنهج، للقول والفعل، للصدق والاعتدال.. ومقبلات الأيام ستشهد.
أمس، كانت المدينة بناسها، بقلعتها وأحيائها، بأسواقها وخاناتها، بزيتونها وبحرها، تشبه نفسها، تاريخها، أصالتها، ريادتها، جمالها، حضارتها، وهي التقت لتستعيد قرارها وتصنع مستقبلها من دون وصاية أو تبعية أو استغلال.
استعادة القرار.. نعم ببساطة ولا أقل من ذلك؛ طرابلس العاصمة الثانية، الاقتصاد، الصناعة، السياحة، القطاعات الانتاجية والخدماتية، الحضارة والإرث الثقافي، العلم، العيش الواحد، العروبة والهوية.. والمشاركة الفعلية بالقرار السياسي والوطني، والحضور المؤثر في إدارات الدولة.. وهذه الاستعادة تحتاج رؤية وخطة وفريق عمل وكتلة نيابية.
هي الفيحاء التي "رهانها دائما على الدولة وسيادتها"، قال الرئيس ميقاتي، ولأنها أنهكت من استعمالها صندوقة بريد لهنا وهناك، وتعبت من الوعود والشعارات هي "بحاجة لاستنهاض.. لمواجهة الحرمان والاهمال.. تحتاج كتلة نيابية لأنها كما حملت إسم العلم والعلماء، من حقها أن تحمل بعد سبعة أيار إسم مدينة التنمية والانماء".
في إطلالته أمس، أعاد الرئيس ميقاتي التذكير بمشروعه السياسي والوطني، من خلال إعادة التذكير بالمسلمات التي حكمت وتحكم تعاطيه بالشأن العام، وتجربته بالموقع السني الأول، عبر الآتي:
أولاً: تأكيد قناعته بأن حماية الشرعية السياسية والتمثيلية وتجديدها إنما تكون من الناس الذين "معهم ما في مطرح للخسارة، ما في مجال الا للربح"، قال لحشود الفيحاء والضنية والمنية.
ثانياً: قطع الطريق على أي متساءل، صدقاً أو تشكيكاً، عن غياب كتلة نيابية طرابلسية تمثل المدينة وتخوض المعارك لتحصيل حقوقها، ولتمثيلها في المعادلة الوطنية، ولأجل ذلك كانت "لائحة العزم لتكون صرخة قوية بوجه كل السياسات الماضية والتاريخية التي مارسها ويمارسها أركان السلطة والنفوذ"، ومحدداً البوصلة لكل محب أو خصم بأنها "معركة تحقيق إستقلالية القرار الطرابلسي ضمن القرار الوطني، لأننا وطنيين وطرابلسيين ونؤمن أن هذه المدينة لؤلوة المتوسط".
ثالثاً: في خطابه للمحبين الذين حضروا مهرجان لائحة العزم أمس، قال الرئيس ميقاتي "طالبتوني بلائحة طرابلسية منياوية ضناوية مستقلة بتشبهكن وبتحكي لغتكن وبتعيش همومكن وبتعرف معاناتكن وبتمثل الحل". وهذه نقطة يجمع على التنويه والإشادة فيها الجميع، أي أن اللائحة مكونة من فريق عمل متناغم، نظيف، يعكس حيثيات وازنة واختصاصات مشرفة و"لما لائحة العزم رح تربح.. كرامتنا رح تتعزز، وعنفوانا رح يقوى، والشمال رح يرتاح.. ولما الشمال بيرتاح لبنان أكيد اكيد بيرتاح"... ومن المؤكد أن فريق العمل هذا سيبقى مستمراً مهماً كانت النتائج بعد 7 أيار.
رابعاً: دأب ميقاتي على التعامل مع المناكفات السياسية بأريحية وتعالي، لكن وقد وصل التذاكي إلى خطف أحد أبرز إنجازاته السياسية، مبدأ النأي بالنفس، الذي صار شعار الكل في الداخل، ومطلب الجميع في الخارج، كان لا بدّ من التذكير بـ "من حمى الاستقرار بلبنان لما كانت الرهانات تملأ الأفق، ومن اجترح مبدأ النأي بالنفس الذي حفظ البلد من الانقسام ومن حروب المنطقة".
خامساً: لافتة ومهمة وضرورية الخطوط الحمر التي رسمها ميقاتي، وهي بمقدار ما تتوجه إلى السلطة تعني في الوقت عينه التزاماً أخلاقياً وسياسياً أمام الناخبين: ممنوع حرمان طرابلس، ممنوع حرمان الضنية، والمنية وعكار وكل الشمال. وممنوع أن يمتد الفقر أكثر وأن تستمر البطالة، وممنوع تنشق هواء ملوث وغياب الكهرباء، وممنوع الحرمان من وظائف الفئة الاولى، وممنوع أن تبكي أم وزوجة وأخت وأبناء على موقوف احتجز لسنوات دون محاكمة، ممنوع عدم توفر التعليم الملائم لكل الأطفال، والطبابة لكل مريض، وممنوع أن تحرص أهم مدينة في لبنان من أن يكون فيها إنماء ونهضة اقتصادية، وممنوع إستمرار الهدر والسمسرات والصفقات، واللعب بالاستقرار، وتسييس القضاء أو إستغلال السلطة لأمور شخصية.
سادساً: وإذا كانت كل العناوين التي ذكرها ميقاتي مهمة وضرورية ولا مبرر إطلاقاً لحرمان المدينة منها، فإن في قوله "ممنوع تهميش الموقع الأول للسنة في لبنان، وممنوع إضعاف المؤسسة الدينية السنية"، ما يستحق التوقف عنده. لا يخفى على أحد أن المعادلة الوطنية باتت مختلة، ومصدر الخلل فيها تغييب أو تهميش الموقع السني بشكل أفقده النصاب الوطني توازنه، وانعكس حيرة وإرباكا وضياعاً لدى شريحة هي الأكبر من أبناء الوطن. لا يجوز ولا يمكن التساهل تجاه أي تنازلات أو التخلي عن الثوابت.
باختصار طرح الرئيس ميقاتي خارطة طريق متكاملة، لناحية توصيف الخلل واقتراح الحلول، طرابلسياً وسنياً، وكل ذلك يحتاج كتلة نيابية متناغمة ومتراصة لا يهمها سوى مصلحة المدينة وناسها، واسترجاع التوازن المفقود.
ساعات تفصل عن الصمت الانتخابي.. ومن اليوم حتى لحظة الاقتراع، على الناخب أن يدرك أن صوته أمانة، وأن صوته قوة، وأن صوته قرار.. إما لإبقاء الأمور على واقعها السلبي أو التصويت للحكمة، والتغيير، والاستنهاض ومواجهة الحرمان ورفض التهميش. والمطلوب القول بصوت صارخ، بعزيمة لا تلين "نعم" للائحة العزم وللرئيس نجيب ميقاتي.