ماكينة خياطة قديمة ثم سيارة ذات موديل نادر حالياً، ثم شبان يصطفون عند حلاق لا يتوّسل الآلات، ثم جدّة تضع اللمسات الأخيرة على فستان زفاف حفيدتها، ثم صبية تتشمس على سطح بناية بثيابها لا "بالبيكيني"، ثم زوجان متقدمان في السنّ ينتظران "ع مفرق" على طريق خالية من أي قمامة أو حفر، البوسطة لتقلّهما، لكنها عبثاً تتوقف. يضحك الرجل بسعادة قصوى:" الهيئة بهالانتخابات يا فريال ما في بوسطة". تردّ الزوجة: "منمشي على اجرينا، يلا قوم"!
هذه المشاهد المختلفة تمرّ في إعلان ترويجي صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية بمناسبة #انتخابات_2018. في كل مشهد تُمرر رسالة جديدة. يتحمس الشاب الجالس في صالون الحلاقة فيقول:""نحنا كثار هالمرة صوتنا بغيّر". تُطمئن الجدّة عروستها: " عأيامنا ما كانت هيك... بكرا رح تعطي صوتك لـ يلي بتحبي"! لا تريد الصبية أن تذهب إلى الانتخابات "بيضة"، أي من دون "برونزاج"، فتنهرها والدتها:"إختك بسيدني وصوّتت!".
رسائل كثيرة تمرّ. منها أيضاً "رديّة" "صوتي مش للبيع" التي يكررها شاب سعيد. أما اللحام المتشوّق إلى تقطيع الخروق إرباً إرباً فيتفاجأ بأنه "لا تشطيب في هذه الانتخابات".
ينتهي الإعلان بعرس. الجميع يرفع اصبعه الملوّن بحبر الانتخابات متباهياً فخوراً، وتبدأ حفلة الرقص في الشارع المزيّن بالأعلام اللبنانية. لا مفرقعات نارية ولا سيدات يحملن حقائب "لوي فويتون".
على تويتر، يعيد وزير الداخلية نهاد المشنوق نشر الإعلان كل ساعة تقريباً. يكرر: "الكل معزوم على عرس لبنان بـ 6 أيار". الانتخابات بعد أيام قليلة. أيام ضاغطة حدّ التوّتر. أيام أشبه بتسع سنوات سُلب في خلالها اللبنانيون حق الاقتراع واختيار ممثليهم بسبب التمديدات المتتالية للبرلمان.
والإعلان، بعيداً من تناوله من الناحية الفنية والإخراجية الإبداعية، "سرياليّ" (بما معناه: بعيد من الواقع). لا يُشبه ناسه ناس اليوم. لا في سياراتهم ولا في ثيابهم ولا في طريقة كلامهم ولا في أسلوب عيشهم ...محاكاةً لـ "أيار 2018". ليس هذا المهمّ. المهم هو المضمون! لكن هل المضمون أيضاً "مطابق للمواصفات"؟!
الانتخابات بحدّ ذاتها عرس. هذه ثابتة لا نقاش فيها. فكيف إذا ما أتت بعد انقطاع قسري ومرّ دام لسنوات؟!
6 أيار يُفترض أن يكون عرساً يجمع اللبنانيين، ليس لأنه يوم استحقاق انتخابي، فهذا حق مكتسب ولا يحتاج إلى "طبلة ورنة وهيصة"، بل لأن عليه أن يكون يوماً مفصلياً بين الضدّ والضدّ. بين الفساد والشفافية. وبين العتمة والنور. وبين الظلم والحق. وبين الاختناق اليومي بشتّى أنواعه والبحبوبة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية...بين الحرب الدفينة في القلوب أو تحت الرماد والسلام المستدام. بين الطائفية وميزة التعددية. بين التلاعب بالدستور واحترام النصوص والقوانين وشرعة حقوق الانسان.
لكن هل ما حصل في الآونة الأخيرة ولا يزال (مع ارتفاع وتيره عشية الانتخابات) يُبشرّ بالخير؟
هل القانون الانتخابي الحالي أصلاً يحاكي كلّ تلك الطموحات والتطلعات والأحلام ويقدر على التغيير المرجو والجذري؟!
والحال ان جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في القانون الانتخابي بحدّ ذاته، علماً أنّه اعتُبر بمثابة خطوة أولى ايجابية في مسيرة الألف الميل سيّما وأنه يفتح المجال أمام الجميع ويعطيهم فرصة للفوز.
بيد أنه، بخاصة في ظلّ الواقع الحالي (وكل ما ينطوي عليه من وجود سلاح غير شرعي ومنطقة مشتعلة بالحروب وسياسة ممنهجة مارسها أهل الحكم على الشعب حتى أصيب بمتلازمة ستوكهولهم...) وبوجود الوجوه السياسية والحزبية نفسها، ومع استمرار تمسك الشعب اللبناني بتأقلمه السلبي وعدم تخليه عن موروثات وثقافات مترسخة...في ظلّ كلّ هذه الوقائع وغيرها، لا عرس حقيقياً ولا من يحزنون!
كل الأمل بأن يكون السابع من أيار وما بعده فعلاً عرساً متواصلاً وتظلّ الأفراح في الديار عامرة، لكن الأمنيات شيء والحقيقة شيء آخر.
الحقيقة أن رئيسة اتحاد المقعدين اللبنانيين سيلفانا اللقيس استقالت من هيئة الاشراف على الانتخابات، (وهي الممثلة الوحيدة لهيئات المجتمع المدني في الهيئة)، وأحدٌ لا يبالي.
والحقيقة أنّ هيئة الإشراف على الانتخابات تلك عاجزة عن المراقبة والمحاسبة الحقيقيتين.
والحقيقة أنّ القانون الحالي لم يُنتج موالاة ومعارضة، بل أنتج تحالفات قائمة على مصالح لا على برامج انتخابية. تناقضات وعجائب وغرائب لا يستوعبها عقل بشري ولا عقل كائن فضائي متطوّر!
والحقيقة أنّ بعض الأحزاب يضغط على رؤوساء البلديات، ترهيباً وترغيباً، كي يحشدوا لزعيم وصوت تفضيلي. وأنّ البعض يدفع المليارات. وأنّ الانتهاكات والمخالفات والتجاوزات سُجلت في أصقاع الأرض مع انطلاقة دورة انتخابات المغتربين، والحبل على الجرار!
الحقيقة أنّ عدداً كبيراً من المرشحين خبير في الكلام المنمق لكن ليس بالأفعال. وأنّ هناك من لا يأبه لماضيه المتخبط بالانتهاكات ولا بمواطن يهدد بنبش هذا الماضي والبدء بالمحاسبة.
والحقيقة أن بعض الناخبين اللبنانين ما يزالون مستسلمين للخوف والخنوع، ومنهم من يرتضي بيع صوته، ومنهم من يجعل من زعيمه الهاً أو من طائفته أولوية ومعيار!
الحقيقة أنّ أحداً لا يعرف كيف ستشرق شمس 7 أيار ولا على من ستغرب. الأحد، سيكون عرس. ثمة من سيحضره بثياب تنكرية وثمة من سيضع أحلى ربطة عنق، وثمة من ستتزيّن بمجوهرات ثمينة. المهم أن تنتهي الحفلة على خير. الأهم أن يُفتتح موسم أعراس يستمر 4 سنوات، يعيشه اللبنانيون واعين لما "اقترفوه" في عرس السادس من أيار!