كتب شارل جبور في صحيفة "الجمهورية": يظهر لبنان وكأنه في عزلة طوعيّة فرضتها الانتخابات النيابية عن التطورات الكبرى والمتسارِعة على مستوى المنطقة والمفتوحة على شتّى الاحتمالات.
تستعيد الحياة السياسية في 7 أيار رونقها بعدما أدّت الانتخابات، وهذا أمر طبيعي، إلى تغييب الملفات السياسية لمصلحة الحملات التعبوية، والمرحلة الأولى التي ستلي الانتخابات ستكون غنيةً جداً بالملفات، من إعادة انتخاب الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب وحجم الأصوات التي سينالها وما سيكون عليه موقف "التيار الوطني الحر" تحديداً والرئيس ميشال عون خصوصاً، إلى إعادة تكليف الرئيس السعد الحريري وحجم الأصوات التي سينالها أيضاً في ظلّ الفتور بين الثنائي بري والنائب وليد جنبلاط مع الحريري، وحرص سمير جعجع على الاتّفاق مع الحريري على المرحلة المقبلة لجهة طريقة إدارة الدولة والالتزام الروحي والحرفي بسياسة "النأي بالنفس" التي تشكل الضمان الوحيد لتجنيب لبنان المغامرات والكوارث، وصولاً إلى تأليف الحكومة وتعقيدات التأليف على مستوى التوازنات و"الفيتوات" والأطماع والأحجام، ناهيك عن البيان الوزاري والتوليفة التي سيتمّ اعتمادُها للعناوين الخلافية، ولكنّ كلّ ذلك يرتبط في نهاية المطاف بالنّيات التي ما إذا كانت إيجابية فكل هذا المسار يمرّ بمرونة وسلاسة، وفي حال كانت سلبية يعني أنّ التعقيد سيكون سيّدَ الموقف.
فالأنظار تتركّز إلى ما بعد 7 أيار وما يمكن أن تحمله المرحلة الجديدة من اصطفافات وتموضعات وعناوين، خصوصاً أنّ الحريري عبّر بوضوح عن تحالفه "الوثيق جداً" مع الرئيس ميشال عون والذي يرتقي إلى المصاف الاستراتيجي وله الأولوية في المرحلة المقبلة، بقوله: "علاقتنا مع فخامة الرئيس ميشال عون مميّزة، وهذا ما يهمّني. وقد قلتُ سابقاً لفخامة الرئيس: أنظر إلى هذا الزمن، بتنا وإياكم حلفاء ونسوّق لبعضنا البعض. وأنا أرى أنّ هذا التوافق الذي تمكنّا من التوصل إليه هو لمصلحة البلد وحمايته والحفاظ على اعتداله.ولكي نواصل مسيرة الشهيد رفيق الحريري، لا بد من الحفاظ على هذا التوافق".
فالحريري يكشف للمرة الأولى عن عمق تحالفه مع عون إلى درجة ربطه الحفاظ على هذا التحالف بمواصلة مسيرة الشهيد الحريري، وبالتالي هذا خطاب غير مسبوق، ويتجاوز اللحظة الانتخابية، إذ كان في استطاعته الاكتفاء بالتحالف الانتخابي والدعوة إلى الالتزام باللائحة من دون الربط بمسيرة رفيق الحريري التي كان عون واستطراداً الوزير جبران باسيل ضدها في كل المراحل والأوقات، علماً أنّ هناك مَن وضع تشديد الحريري على ضرورة الالتزام بإعطاء الصوت التفضيلي لصديقه باسيل في خانة الخشية الجدّية من عدم الالتزام بفعل عدم تقبّل الشارع السنّي لباسيل.
وليس سرّاً أنّ الثنائية الجديدة ستكون أحد عناوين المرحلة المقبلة وتوازناتها، خصوصاً أنّ أكثر من فريق سياسي بدأ يحذّر من هذه الثنائية ويعبّر علناً عن هذا الحذر، وتحديداً بري وجنبلاط، ويُحكى في الكواليس السياسية أنه على رغم أنّ القاعدة التوافقية تحكم الاتّجاهَ العام لقرارات مجلس الوزراء، إلّا أنّ التأليف سيخضع لميزان "جوهرجي" تجنّباً لمواجهات ومفاجآت.
وإذا كانت كل الأنظار بدأت تتركّز على مرحلة ما بعد 6 أيار وطنياً ونيابياً وحكومياً وسياسياً، فإنّ الانتخابات وما بعدها لم ولن تستطيع أن تحجبَ التطوّرات الإقليمية المتصاعدة على خطين أساسيَّين: واشنطن - طهران، وتل أبيب - طهران، خصوصاً أنّ المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية هي أوّل مواجهة من نوعها بنحو مباشر على الأرض السورية، فيما كانت في المرحلة السابقة مواجهة مع الميليشيات الإيرانية، وهذا تطوّر كبير جداً.
وفيما كانت طهران توعّدت بالرد على استهداف مواقعها في مطار "تي. فور" وعلى لسان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله تحديداً والذي قال حرفياً "ما قبل قصف الـ"تي. فور" غير ما بعده"، وأنّ "إسرائيل ستندم على فعلتها"، بادرت تل أبيب مجدّداً إلى استهداف مواقع عسكرية سورية - إيرانية قرب حماه وحلب أدّت إلى وقوع قتلى بينهم من الحرس الثوري الإيراني، وتدمير مخازن عسكرية بينها صواريخ أرض - أرض.
فتحوّل المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية إلى مواجهة مباشرة ليس مسألة تفصيلية، ويستحيل عدم توقّع انتقالها من الأرض السورية إلى الأرض الإيرانية والإسرائيلية، ولكن لا يبدو حتى اللحظة أنّ طهران في وارد الرد والتصعيد، خصوصاً أنها على يقين من أنّ هناك محاولة لجرِّها إلى حرب لا تريدها، فضلاً عن أنّ إيران تتجنّب المواجهات المباشرة وتفضِّل المواجهة عن طريق العصابات انطلاقاً من اعتباراتٍ عدة ومن بينها أنّ المواجهة الكلاسيكية قد تفضي إلى هزيمتها، فيما غير الكلاسيكية تخرج منها إسرائيل مهزومة.
ففي كل هذا الجوّ الدقيق والخطير والمحموم يذهب اللبنانيون بعد غد الأحد إلى الانتخابات النيابية، ويدخل لبنان في السابع من أيار في توازنات جديدة وورشة تكليف وتأليف وانطلاقة متجدّدة، والتحدّي الأساس بالنسبة إلى جميع اللبنانيين يبقى في تجنيب لبنان الحرب والويلات.
(شارل جبور - الجمهورية)